ربى كبّارة
بات واضحاً أن كل الفرص لن تنقذ نظام بشار الأسد المتهاوي، وإنما تساهم في المدّ بعمره فقط وسط توقعات بتفاقم خطير للأوضاع التي باتت تحصد يومياً أكثر من مئة ضحية. فهذا النظام ما زال يستفيد من تلكؤ المناوئين لبقائه لأسباب أولها تجنب الولايات المتحدة الانخراط في أي حل قبل انتخاباتها الرئاسية المقررة بعد نحو شهر ونصف شهر، وانعكاسات ذلك على حلفائها الغربيين والعرب، كما يستفيد من دعم المؤيدين لبقائه في منصبه مثل ايران وروسيا.
فالرئيس المصري محمد مرسي الذي شنّ أعنف هجوم على النظام السوري أواخر الشهر الماضي من على منبر مؤتمر دول عدم الانحياز في طهران، مؤكدا ان "لا مكان لرئيس يقتل شعبه"، طرح مبادرة "اقليمية للحل" تضم الى جانبه السعودية وتركيا وايران الداعمة بشراسة ووضوح بقاء الاسد. لكن هذه المبادرة ولدت ميتة بنظر ديبلوماسي عربي سابق، ولن تؤدي الا الى المدّ بعمر النظام اسوة بالمبادرات السابقة، من المراقبين العرب الى الدوليين تحت مظلة كوفي انان وتجديدها الحالي عبر الاخضر الابراهيمي. فتغيّب السعودية عن اجتماع الاثنين في القاهرة يعني وفقه اعتراضاً واضحاً على مشاركة ايران في حل اقليمي.
فإيران جزء فعلي من الازمة السورية، تجسد دورها مؤخراً في اقرار رسمي بوجود عناصر من الباسدران على الاراضي السورية، وإن أتى الاخراج بأن دورهم خبراء وليس دوراً عسكرياً. ويتساءل المصدر "هل يعتقد مرسي أن بإمكانه إغراء ايران للتخلي عن الأسد؟ وبأي ثمن؟ وهل استعادة علاقات طبيعية مع مصر يعوضها حليفها الرئيسي والوحيد في المنطقة". فانضمام ايران الى هذه المبادرة يسمح لها بتمييعها، وهي طرحت في الاجتماع الاول مثلا ضمّ فنزويلا والعراق الى اعضائها، ثم طرحت في الاجتماع الثاني تشكيل قوة مراقبين اقليميين أي من دول مجموعة الاتصال وسط سؤال كبير عمن يمكن ان يشارك فيها: ايرانيون وفي أحسن الأحوال مصريون، اذ لا الاتراك ولا السعوديون سيكونون من المرحّب بهم.
اما الابراهيمي فسيقدم ملخصا عن مهمته الاثنين المقبل الى سفراء الدول الخمس عشرة الاعضاء في مجلس الامن بعد أن توقع في ختام جولة جمعته بالاسد وقادته الى دول الجوار ان يتجه الوضع "الى مزيد من التدهور". كما أعرب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم عن خشيته "من استخدام سيئ لهذه العملية يخلف مزيدا من القتل". رغم ثقته بقدرات الابراهيمي لكن بسبب عدم ثقته بالطرف الاخر.
وتتزايد المخاوف من تخطي الازمة السورية حدودها الجغرافية لتطاول اولاً لبنان رغم النجاح، حتى الآن، في إفشال كل المحاولات السورية التي جرت حتى الآن في هذا الاطار وآخرها المتفجرات التي حمّلها رئيس جهاز الامن القومي علي مملوك الى النائب والوزير السابق ميشال سماحة. وقد جددت فرنسا التحذير. ومؤخرا شدّد وزير خارجيتها لوران فابيوس على ضرورة "تفادي انتقال العدوى الى لبنان وهو ما ترغب فيه بالتأكيد عصابة بشار الاسد ويرفضه اللبنانيون".
لكن استفادة النظام الاسدي من المبادرات المهدورة ومن دعم حلفائه وفي مقدمهم ايران وروسيا لن ينقذه. فآجالها جميعها محدودة ومرتبطة بالانتخابات الرئاسية الاميركية التي بانقضائها ينفتح الباب امام جملة خيارات اخرى غير الدعم اللفظي او اللوجستي في احسن الاحوال.
ومؤخرا قال حمد بن جاسم "الانتخابات الاميركية على الابواب وايضا هناك مواقف مختلفة لدول اخرى. أتوقع ان الجميع سيجد في النهاية ان عليه اتخاذ قرار لمصلحة الشعب السوري" خصوصا مع تفاقم الاوضاع رغم التحركات السياسية العبثية.
فهناك زيارات المسؤولين الاميركيين المتعاقبة لتركيا وآخرها زيارة رئيس أركان الجيوش الاميركية مارتن ديمبسي، باعتبار تركيا الدولة المؤهلة جغرافيا وفعليّا لحماية مناطق عازلة مثلاً، والتي اكد مسؤولوها مراراً بأنها لن تنتقل الى الصعيد العملي الا عبر حلف الاطلسي والولايات المتحدة. وقد وضعت تركيا هذه الحدود لتدخلها خصوصا بعد أن سلم النظام السوري أمن مناطق حدودية معها الى تنظيمات كردية متحالفة مع "حزب العمال الكردستاني" الذي يعتبره نظامها تنظيما "ارهابيا"، والذي استعاد مؤخرا عملياته العسكرية.
ويتزامن توالي هذه الزيارات مع اشارات اوروبية واضحة لاقتراب اعتماد خيار تسليح المعارضة باسلحة نوعية تمكنها من الحسم، فقد اكد سفير فرنسا لدى سوريا اريك شوفالييه أن بلاده تتعامل مع كافة اطراف العارضة السورية بما في ذلك المعارضة المسلحة، لافتاً الى ان موضوع تسليم اسلحة للمعارضة تجري مناقشته "بشكل جدي". كما اوضح وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ ان بلاده لا تدعو الى التدخل العسكري في سوريا و"لكنه خيار لا يمكن استبعاده في ظل تصاعد الازمة"، مشدداً على ان هذا التدخل "لايمكن أن يتم إلا بمساندة ودعم اميركيين".