لم يكن الكاتب الفرنسي ريمون كينو شغوفاً بالمسرح إلى درجة كبيرة ومع ذلك ترك نصوصاً كثيرة للخشبة وكان في مقدمتها "تمارين في الأسلوب" و"بعيداً عن رويل" و"زارني في المترو" أو "إيكار" في الأربعينيات، وحتى اليوم لا زالت تظهر بعض النصوص المسرحية غير المنشورة له وأهمها اليوم "اسطورة الدجاجات المهروسة" التي كان عنوانها الأول "حين يصير للدجاج أسنان" وقد أدرجها كينو بنفسه تحت عنوان كبيرة وهو "كوميديا" أو "سحر عصري في مقطعين" ومن المعتقد ان كينو قد كتب هذا النص في العام 1945 وقد كتب كينو عنه أنه في إطار المسرح غير انه يمكن ان يتحول فيلماً سينمائياً خاصة في شخصية فيفيان". وقد نشرت مجلة "ماغازين ليتيرير" نصاً من هذه المسرحية ننقله إلى العربية:
التقديم والترجمة:
كوليت مرشليان
في ضاحية باريس الكبيرة، منطقة تعرضت إلى سحر جعل قدرها يخضع إلى ظروف خاصة: ومنذ بدايات عالم السيارات، كل سيارة تمر في مغامرة الذهاب إليها تقع في عطل، لا محالة، وقد تكون الأسباب متنوعة. وتصبح غير قادرة على المضي من جديد في رحلتها.
وقد تكرر هذا الأمر إلى درجة لفت انتباه السلطات إلى تلك الظاهرة: العلماء تحدثوا عن وجود ذبذبات وإشعاعات في الأرض، أو ربما هي تموّجات مغناطيسية غير مكتشفة بعد، الخ... وأخيراً جاء القرار بوصل تلك المنطقة بالطريق الوطنية الرئيسية وبالتالي صار من النادر أن يمرّ أحد من هناك. ولكن بقي مكانان مميزان في تلك الدائرة المسحورة وهما: مطعم "البيسترو" والكاراج. ولم يفهم السائقون الذين تعرضت سياراتهم لأعطال في تلك المنطقة ما حصل معهم، فإن كل من صاحب "البيسترو" وعامل الميكانيك في الكاراج يعرفان "أسطورة" تفسّر هذه الظاهرة: ذات يوم بعيد ومنذ زمن طويل، زمن أولى السيارات، دهس رجل دجاجة وهو يقود سيارته، ومنذ ذلك الوقت، أصابت تلك المنطقة سحراً يصيب كل من ذات يوم، وبسبب الإهمال أو العنف أو عدم التمتع بطول البال، دهس حيواناً بسيارته. وحتى الآن، لا زال هذا السحر فعّالاً لأنه يبدو ان كل سائقي السيارات قد اقترفوا، في يوم من الأيام، جرماً مماثلاً.
ولكن يُقال ان هذا السحر سيُرفع عن هذه المنطقة في اليوم الذي يصل فيه سائق تحاشى كل الأوقات ان يدهس حيواناً على الطريق. وعندها سيعود كل شيء طبيعياً. ومحركات السيارات ستعمل من جديد. هذه هي الأسطورة.
الشخصيات
- فاليبريغ: انه صاحب "البيسترو" ويتملك فندقاً صغيراً مفروشاً فيه ألعاب مسلية في حديقته، والفندق لا يفرغ أبداً فهو يستقبل فيه السيارات "المعطّلة". وهو يقيم مع أصحاب السيارات علاقات صداقة ويحاول جعلهم يشعرون بالأمان ويفخرون بصداقته. إضافة إلى ذلك هو يهتم بالعلوم الخاصة بالسحر والتنجيم: يجعل الطاولات تتحرك في اتجاهات دائرية، ويقرأ خطوط كفّ اليد وأحياناً قد يحوّل لعبة الورق إلى قراءة "التارو".
- إيرما: انها زوجة فاليبريغ.
- دوبون: انه عامل الميكانيك في الكاراج. وكاراجه قريب جداً من "البيسترو"، وعنده تستريح وقد تصدأ السيارات المسحورة حين يذهب السائقون للإستراحة عند فاليبريغ، أو قد يذهبون ولا يعودون أبداً. إذاً انها أقرب إلى مقبرة سيارات منها إلى "كاراج". ودوبون قد بدأ العمل فيه من دون ان يعرف شيئاً في أمور تصليح السيارات فقط يضع يده على السيارة لكنه لم يصلح واحدة يوماً.
ويئس في ان يصبح معلماً في علوم الميكانيك مع انه يواظب على درس ذلك في الكتب. وهنا يمكن للمشاهد ان يفهم أن هذا هو السبب الذي يجعل السيارات المسحورة لا تترك الكاراج ثانية (ويمكن ان يفهم ان صاحب الفندق يستفيد أيضاً من إبقاء زبائنه لديه". ولكن دوبون يؤمن أيضاً مثل فاليبريغ بالأسطورة.
دوبون وفاليبريغ رجلان يبلغان حوالى 40 أو 45 سنة. وهما مغرمان بامرأة تدعى:
- ليلا: ليلا هي آخر امرأة وصلت إليهما. هي أيضاً "محتجزة" هناك، لكنها لم تكن تقود سيارة. ليلا كانت تركب دراجة نارية. وحياتها متأثرة "بمغامرة" عاشتها قبل وصولها إلى هناك "لتحتجز" ذات ليلة، أشار لها أحد المارة على الطريق بأن تتوقف لتقلّه معها. جعلته يجلس على المقعد الخلفي المخصص لامتعتها. ثم تناولا العشاء معاً. كان الرجل يعمل في الألعاب البهلوانية. وقعت في غرامه وسرعان ما أصبحت عشيقته. وقاما بمشروع ان يقدّما معاً عرضاً مميزاً.
في اليوم التالي، رحلا، وجلس كما في المرة الأولى على المقعد المخصص للأمتعة، وبعد ان قطعا حوالى خمسين كيلومتراً، اكتشفت ان البهلواني قد اختفى. عادت أدراجها لتبحث عنه لكنها أضلّت الطريق فدخلت في الدائرة السحرية. وبقيت فيها (لأنها هي أيضاً ذات يوم، وعلى دراجتها النارية، دهست دجاجة). وبما ان الفندق كان محتشداً بالناس، بقيت عند صاحب الكاراج. عملت جاهدة ولكن من دون نتيجة. واستمرت تنتظر "الرجل السائر على قدميه".
- إيرما دو فوكومبري: انها الأقدم من بين "المتجمّدات" هناك. كانت شابة جميلة متجهة ذات يوم إلى مدينة نيس في سيارتها. وسرعان ما أصبحت عشيقة فاليبريغ، وهي اليوم قد تخطّت الخمسين بأشواط.
- "المتجمّدون": كلهم يعيشون في نزل فاليبريغ (ما عدا ليلا). وهم ما يزالون يرتدون ملابسهم القديمة من ذاك الزمن.
يعيشون بسعادة وهم يتسلّون بالكرات والبراميل وأحياناً يعنّفهم فاليبريغ، فيخرج أحدهم، من وقت إلى آخر يائساً ومحاولاً العثور على "العالم الخارجي".
وحين لا يعود يرسل صاحب النزل إيرما على الطريق الوطني لتطلب من سيارة التوقف وتصعد إليها وتستدرج السائق إلى الدائرة المسحورة. ولكن هذا لم يحصل منذ 15 سنة.
- سيديوّش: محقق في منطقة الجسور وهو الذي ساهم في بناء المفرق المؤدي إلى الطريق الوطني. يحاول ان يضيء على سرّ "الدائرة السحرية" ويستخدم أساليب "هيتشكوكية" في السحر، وها هو أيضاً معطّل دائم في البلاد.
- فيفين: هو مغرم بالسينما الصامتة. وهو يذهب دائماً إلى القرى البعيدة حيث يعرض أفلاماً قديمة مصوّرة ما قبل العام 1914، لا يجد الإقبال على هذه الأفلام بقوة، وحتى جماعة الفلاحين المتخلفين والجهلة يفضلون الأفلام الناطقة. وهذا يحزنه.
يتنقّل في سيارة "جيب" يبلغ حوالى العشرين عاماً وهو رقيق وقمريّ الطابع. هو بالتأكيد لم يهرس دجاجة يوماً. وسيظهر في المشهد الثاني.
- آركتوس: انه البهلواني الذي رافق ليلا على الطريق.
[ المقطع الأول
المشهد الأول الكاراج:
في المشهد الأول، سيارة من موديل 1910 وتحتها ميكانيكي يعمل على تصليحها. السيارة تملكها إيرما دون فوكومبري الجميلة "المتجمّدة" التي أصبحت عجوزاً والمحتجزة (لأنها دهست دجاجة بسيارتها).
نفد صبرها وهي تتحدث إلى الميكانيكي. أما الميكانيكي، فهو ليلا، تترك عملها وتتقدم وهي متسخة بالشحم الأسود. مبدئياً لم تتوصل إلى نتيجة.
وحين كان الحوار على أحرّه، تدخل المفتش فوق الجسور السيد يوش. ثم توقف الحديث حين وصل فاليبريغ. ثم حدث يتحضّر: للمرة الأولى ومنذ 15 سنة قرر أحد المحتجزين أن يغادر. انه سائق "ديلاج 1927" اتخذ قراره بالعودة "إلى العالم". وهناك عربة لتقلّه إلى المحطة. رحل وهو يودع الباقين الذين يستمرون في إخلاصهم لفاليبريغ أكثر من إخلاصهم لسياراتهم.
أما فاليبريغ فلا يرضى بأن يترك غرفة شاغرة لديه ولو ليوم واحد. في الليلة عينها ستخرج إيرما لتوقف سيارة على الطريق الوطني. ولكن، بما انه مرت سنوات طويلة (15 سنة) على آخر مرّة فعلت ذلك إيرما، فقد بدت غير لائقة وليست على الموضة.
شكّ فاليبريغ بأن تنجح في ذلك. فطلب من ليلا ان تؤدي له خدمة معينة، قبلت ليلا بذلك وراحت إيرما تعلّمها تقنية توقيف سيارة، في موضة "الاوتو ستوب".
المشهد الثاني: الطريق
انه الليل، وعلى مفترق ما بين الطريق "الجيدة" والطريق "السيئة". وفي كل هذا المشهد، لا تظهر السيارات على الخشبة انما يرى المشاهد أضواءها فقط. وعلى ملتقى الطريقين، يصفر السيد بوش ما يعني "عطل أكيد". هنا تقوم ليلا بمحاولة "الاوتو ستوب" ولكن، إما ان ليلا لا تتقن هذا الأمر وإما ان السائقين ليسوا كما تمنّاهم صاحب النزل. فتروح ليلا تفكر في ذاك "البهلواني" الذي أوقفها ذات يوم وقدمت معه عرضاً رائعاً ومؤثراً.
وها ان أحدهم يتقدم سيراً على الأقدام، انه فيفين ولم يكن ينتبه كثيراً الى ما يحصل. وها هو يتعرض لحادث سيارة. وما حدث أنه رأى دجاجة وحاول أن يتفادى هرسها (وهذا ما سيُقال فيما بعد) فدخل مع سيارته في شجرة. تأثرت ليلاً للمشهد فأدخلته الى الدائرة المسحورة.
ـ المشهد الثالث: حديقة
وحانة شعبية
إنها حديثة نزل فاليبريغ: الكثير من الدوالي والأشجار الكثيفة. ألعاب عديدة. مقاعد خشبية وكراسيّ حديدية. المحتجزون كلهم هنا وفيفن سيعرض لهم فيلماً من السينما الصامتة. عاد فيفن واسترجع سيارته الجيب غير أن معظم الأفلام قد تعرّضت للتلف.
إنها ساعة عرض الفيلم الصامت. ثمة بيانو يرافق العرض. وها فيفن يشرح المشاهد تماماً كما كان يحصل في زمن السينما الصامتة. ثم وليستكمل العرض ها هو يستخدم الإيماء ثم يرقص عوضاً عن الأفلام التالفة. ثم سرعان ما أُغرم بليلا.
ـ المشهد الرابع: أمام الكاراج
أمام النزل. فيفن سيرحل. يمكنه أن يرحل لأنه لم يصدم بحياته دجاجة بسيارته: وها هو سيجعل السحر ينتهي عن تلك المنطقة. وحدها ليلا تعرف ذلك. وكل الموجودين هناك ينتظرون وبسخرية مساعيه: إنها المرة الأولى التي يرون فيها سائق سيارة يرحل. لكن فيفن لا يتمسك كثيراً بفكرة الرحيل. ها هو يحب ليلا لكنه حتى الآن لا يعرف قصة الأسطورة المرتبطة بالمكان. تنزل الستارة على الخشبة قبل أن يعرف المشاهد ما إذا كان فيفن سيتمكن من الرحيل أو إذا هو يريد ذلك.
[المقطع الثاني
ـ المشهد الخامس: غرفة
في نزل فاليبريغ
فيفن هنا ولم يغادر. لقد خرّب سيارته "الجيب" ليبقى بالقرب من ليلا. وذلك جعل فاليبريغ ودوبون يشعران بالغيرة. من جهة ثانية، اكتشف السيد بوش أن فيفن هو الذي خرّب سيارته بإرادته. فيفن يتخلص من كل تلك الشخصيات ليجد نفسه وحده مع ليلا وها هو يصرّح لها بحبه، وفي الوقت نفسه نسمع صوت محرك سيارة تنطلق، ثم سيارة أخرى..
ـ المشهد السادس: مقبرة سيارات ووراء الكاراج عتمة الليل.
إنه مكان هادئ. وقد لجأ إليه كلٌ من فيفن وليلا ليحلما في ضوء القمر. وها هي تخبره أسطورة الدجاجات المهروسة. وتظهر عليهما مشاهد من رقص الباليه فيها أشباح الدجاجات المهروسة، وفي الوقت نفسه تصدر محركات السيارات المنطلقة ضجيجاً يصير أقوى فأقوى وتنطلق السيارات...
ـ المشهد السابع:
حديقة الفندق
نشاط كثيف وغير منظّم. المسافرون يرحلون: سياراتهم تدور وتنطلق من جديد. وفاليبريغ مذهول ومنهار. المسافرون يرحلون مع شيء من الأسف. كانوا "سعيدين"، ولكن يجب أن يغادروا بما أن سياراتهم أصبحت جاهزة للانطلاق.
الأولى التي سترحل هي إيرما: وهي تأمل بأن تمضي موسماً جيداً في نيس، في الكازينو، على الأقل. وآخر من سيرحل هو السيد بوش، مفتش الجسور الذي يشعر بالأسف لأنه لم يتمكن من حلّ اللغز كما لم ينفع الطريق الوطني الذي بناه.
ووسط هذه الحمى، ظهرت شخصية تبحث عن أحدهم. يبدو أنه رياضي من الصنف الأول وضخم غير أنه متقدم في السنّ. ليلا التي تحاول الهروب من فيفن المغرم بها بجنون تفقد صوابها حين تكتشف أن الرياضي الضخم الذي حضر بين الجموع ليس سوى صديقها "الذي كان يمشي على الطريق" ورافقها.
ـ المشهد الثامن: الكاراج
عثرت ليلا مجدداً على رجل حياتها. وها هي ترحل معه وقد جلس مجدداً على المقعد المخصّص للأمتعة وراءها على دراجتها النارية ورحل ليقدّما العرض البهلواني معاً. فيفن يبقى هناكن يائساً وحزيناً. إنه الأخير هناك. وسيارته لم تعد تلبيه لأنه خرّبها أشد تخريب من قبل. وهو الذي تمكن من أن يرفع السحر عن المكان، يبقى فيه وحده، هو وحده في "الدائرة المسحورة". وفي حين نسمع من البعيد ضجيج الدراجة النارية الخاصة بليلا وهي تنطلق بها، تنزل الستارة على فيفن، ضائعاً وسط حلمه والميكانيكي منكبّ على تصليح سيارة "الجيب" التي لا شك بأنه سيفرطها قطعة قطعة (ستارة).