|
ديفيد بروكس بين العامين 1940 و1968 وضع الشعب الأميركي ثقته بالرؤساء الديموقراطيين في زمن الحرب، بيد أن حرب فيتنام حطّمت الثقة بالديموقراطيين. ولذلك، فإذا كنّا ذاهبين في هذه الحملة الرئاسية للتحدّث عن فيتنام، كما أعتقد أننا فاعلون، فدعونا نترك الحديث عن عدد الأيام التي خدمها بوش في الحرس الوطني، وعن الشتائم التي تلقاها كيري من جين فوندا أثناء التظاهرات ضد حرب فيتنام. دعونا نتحدث عن معنى حرب فيتنام، ما هو الدرس الذي تعلّمه كلٌّ من الحزبين من تلك الحرب؟ الديموقراطيون الذين وضعهم الشعب الأميركي في السلطة ما بين هاري ترومان وجون كنيدي، عاشوا في ظل الحرب العالمية الثانية، وتعلموا من دروس ميونيخ عدم الخضوع للابتزاز. ويتصورون إمكان خوض الحروب الضخمة ضد الطُغاة، ومكافحة الشرور من اجل أهداف نبيلة. وهم شديدو الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على استعمال القوة لنشر فكرة الحرية. وقد قادتهم ثقتهم بأنفسهم إلى فيتنام وإلى المستنقعات الزئبقية. وهناك درسان متضادان يمكن استنتاجهما من تلك التجربة. فالديموقراطيون الذين كانوا حول السناتور هنري (سكوب) جاكسون، رأوا في فيتنام، رغم المآخذ الكثيرة، حرباً نبيلة في مواجهة الشيوعية. وأكثر هؤلاء ما لبثوا أن تحوّلوا بالتدريج إلى الحزب الجمهوري. أما أكثر الديموقراطيين ـ ولا شك أن جون كيري يقع في هذا الفريق ـ فقد نظروا إلى فيتنام باعتبارها صراعاً مع عقلية الحرب الباردة. وقد اعتبر هؤلاء الليبراليون أن الصفقات والأكاذيب التي حفلت بها الحرب كانت تعبيراً عن عقدة المجمّع العسكري/ الصناعي. وهذا ما تشهد عليه أفلام مثل دكتور "سترانج لو" و"ماش"، والتي تتعامل مع الحياة العسكرية باعتبارها أمراً جنونياً. ورأى الديموقراطيون في حرب فيتنام إدانة لرؤية "مانوية" للعالم، الخير في مقابل الشرّ، والعجرفة التي قادت الصقور هؤلاء إلى عالم لا يفهمونه. والأهم من ذلك أن هؤلاء رأوا في حرب فيتنام إدانة للقومية الأميركية، المؤمنة بالتفوّق الثقافي، ويكون عليها أن تغامر عبر العالم مكافحة للديكتاتوريات وهازمة لها. ومن أجل ذلك فإن سياسات الديموقراطيين الخارجية في السبعينات كانت انعزالية، وفي أحسن أحوالها متواضعة الأهداف والرؤية. وانصرف الديموقراطيون إلى لوك ومضغ التعابير الأخلاقية في ما يتصل بالسوفيات. وقال الرئيس كارتر، إن العلل الأساسية هي الجوع والفقر. وذهب بعض الديموقراطيين إلى أن "الحرب الباردة" ترتبط في أحسن الأحوال بتداعيات سلبية. وقد ارتعب الديموقراطيون لتمرّد فريق من الديموقراطيين السابقين يقودهم رونالد ريغان وجين كيركباتريك. آمن الريغانيون باستثنائية أميركا وتفوّقها الأخلاقي. ورأوا في أنفسهم ورثة لترومان وكنيدي. واتجهوا لمهاجمة امبراطورية الشرّ وهزيمتها. أما المؤسسة الديموقراطية ـ مع كيري عضواً مؤثراً فيها ـ فقد أعرضت عن هذه اللغة، وعارضت حملة التسلح الجديدة التي شرع فيها ريغان. وقد رأى معظم الأميركيين أن ريغان كان على حق في نظرته إلى العالم، وأن الديموقراطيين كانوا سذجاً. لكن نهاية الحرب الباردة أنهت أيضاً النقاشات حول ذاك الأمر. وعندما بدأت الاضطرابات في البلقان، تغيّرت مواقف الديموقراطيين. فقد سارعوا لنشر القوات الأميركية في جهات العالم الأربع، دون أن يزعجوا أنفسهم حتى بسؤال الأمم المتحدة. وبذلك بدا كأنهم تجاوزوا عقدة فيتنام. وأنهم يريدون الظهور بمظهر الواثق بالنفس، والذي يريد استعمال القوة لتأكيد دور أميركا الاستثنائي. والآن وسط الحرب على التوتاليتارية الإسلامية، يعود السؤال الأساسي: هل يريد الديموقراطيون العودة لمواريث ترومان وكنيدي أم أنهم ما يزالون قابعين في ظل فيتنام؟ إذا تحدثت إلى خبراء الديموقراطيين في السياسة الخارجية، تجد أنهم خرجوا فعلاً من هول أشباح فيتنام، ويريدون الآن إعادة الاحترام لسياسات القوة والحزم، لكن بالتعاون مع المؤسسات الدولية. لكنك إذا أصغيت للغة عامة الديموقراطيين في حملات وخطابات اختيار المرشحين الديموقراطيين للرئاسة، تجد أن مخاوف فيتنام ما تزال حاضرة، وأن الحزب ما يزال حزب الرئيس كارتر؛ في السياسات العالمية على الأقل. أما إذا استمعت إلى جون كيري؛ فإنك لا تخرج بنتيجة واضحة. إذ هو يبدو مثل رجل مسحور أو مُخدَّر، وغير قادر على إصدار بيان واضح عن دور أميركا في العالم. ولذلك فهو يسبح مع الموجة المؤاتية دونما تفكير كثير. إذا استطاع كيري أن يتكلم لغة ترومان وكنيدي، وأن يبقي عليها، فإنه يتجاوز بذلك عقبة كأداء، وسيوكل الأميركيون له أمورهم الأمنية بثقة. أما إذا لم يستطع أن يتجاوز تلك العتبة، رغم بطولته الشخصية، فإن كل شجاعة العالم لن تكون كافية لانتخابه رئيساً. ("نيويورك تايمز"، 18/2/2004)
|