الاربعاء 8 أيلول 2010

ص21ص20

الممثل والناقد المسرحي عبيدو باشا عن كتابه الجديد: المسرحيون قادوا مسرحهم الى الهلاك في انقلابهم على أنفسهم وعلى مواقعهم الديموقراطية


إصدارات



الممثل والناقد المسرحي عبيدو باشا عن كتابه الجديد:
المسرحيون قادوا مسرحهم الى الهلاك في انقلابهم على أنفسهم وعلى مواقعهم الديموقراطية

المستقبل - الثلاثاء 9 شباط 2010 - العدد 3563 - ثقافة و فنون - صفحة 20


حاوره: يقظان التقي

"انقلاب التغيير على ابطال التغيير في المسرح"، عنوان اصدار جديد للكاتب والمسرحي عبيدو باشا عن "دار الآداب" ، بيروت، طبعة اولى 2009.
كتاب فيه ما يشبه السيرة النقدية والانسانية لابطال الحركة المسرحية في الخمسينات وللستينات نتيجة حوارات ومتابعات تظهر مجموعة انقلابات وتحولات لدى ابطال التغيير كجزء من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المدينة بيروت.
يتحدث عبيدو باشا عن المسرح كأنه يتحدث عن أزمة نظام، وعن انهيار مدينة وكل ما هو انساني ومبدع وخلاق في بيروت قبل الحرب واثناء الحرب وبعد الحرب وفي مرحلة السلم لا سيما وقوع المسرح اللبناني تحت سلطة الاحزاب والمذاهب والميليشيات.
اسباب تراجع المسرح، والمسؤوليات الاساسية والمحددة والمنجزة امتداداً للمدارس الغربية من حيث الكتابة والاخراج والرؤيا، وإمكانية الكلام عن ريادة لبنانية ضالعة في المسرح اللبناني.
هنا الحوار.
[ يقال ان بيروت عندما كانت موحدة كان هناك حركة مسرحية وعندما انقسمت وانقسم لبنان وتفككت كل هذه الحركة المسرحية وصارت اعمالاً فردية؟
ـ اهمية بيروت انها مدينة، اناء، مساحة مشتركة، وهذه المساحة المشتركة استطاعت في الكثير من المراحل ان تستبطن معنى الاشتراك بعيداً عن طروحات العيش المشترك لأن مفهوم العيش المشترك اقرب الى مفهوم المساكنة التي قد تنتهي بهجران احد الاطراف للطرف الآخر. تقدمت بيروت على مواطنيها كثيراً بموقعها المركزي ذلك انها رفيقة الابيض المتوسط وهذا ليس كلاماً شاعرياً لأن المدن الواقعة على البحار هي مدن مفتوحة ومستدعية للآخر ولأنها مدينة منفتحة اقامت حضوراً وتاريخاً وذاكرة على قضية في غاية الاهمية هي الكوسموبوليتية. انها مدينة اعراق اولاً، ثم مدينة ناس قسمهم المستعمر، ثم قسموا انفسهم موجهين تحية ابدية الى من داسهم بأحذية الجندرما السنغاليين. اتيت على ذكر البحر، لان بيروت مدينة اتصال ولانها كذلك اتصلت ثقافتها المحلية بالثقافة العالمية عن طريقين: اما السفر المادي او السفر بالمخيلة هكذا اضحينا مواطنين عالميين واصحاب ثقافة عالمية بحيث اضحى كبار المسرحيين والرسامين والروائيين والشعراء الاوروبيين والاميركيين "بيارتة" من كثرة ما تم تداول انتاجاتهم في هذه المدينة الصحن. انها مدينة رسالة كما قال البابا يوحنا بولس الثاني في الارشاد الرسولي. هذه قضية يفهمها العالم ولا يفهمها اللبنانيون للاسف الشديد. لذلك تستمر المدينة بمغزى حتى عن ارادة اللبنانيين لان لبنان حاجة لغير اللبنانيين.
[ يقال ايضاً إن تقسيم بيروت جعل العقل الريفي الذي تجسده الميليشيات يتسلل ايضاً الى المسرح؟
ـ المسرح فن مديني ويحتاج الى روح المدينة لكي يبقى ويستمر تزييف المدينة ليس عبر هجرة الجنوبيين الى بيروت تحت وطأة العدوان الاسرائيلي المستمر بل عبر مجموعة من العناصر والتفاصيل اولها القضاء على التعددية والتنوع، ميزة لبنان الاسطورية، وثانياً القضاء على الطبقة الوسطى وثالثاً تحويل الانقسام في البلد من انقسام أفقي الى انقسام عمودي وضرب القوة الاقتصادية للفرد اللبناني. مثلاً كان بالمستطاع السفر بسهولة الى اوروبا واميركا. هناك يدور اللبناني على المسارح ودور السينما والفناكات للاطلاع على آخر الانتاج المسرحي والسينمائي والروائي. ثم حين ينتهي من ذلك يشتري بالفائض ما يحتاج اليه من الملبس. الوصول الى ذلك معبره الاندغام في حياة المدينة المقصودة. وحين اقول ان اللبناني مواطن عالمي ليس من قبيل المبالغة بل لكي اشير الى حال اللبناني في مرحلة التأسيس الثقافي والاجتماعي والفكري وتدعيم التأسيس هذا بما يستحقه. لنقارن بين البارحة واليوم في البارحة اللبناني مواطن لا تسعه الدنيا واليوم اللبناني مواطن الحي والزواريب. هكذا اختصرنا الصراع الذي انقدنا اليه بين عالمين جبارين هما العالم الاشتراكي والعالم الرأسمالي بخطوط تماس داخلية كاريكاتورية ولكنها مؤلمة. هذا تصغير انعكس على الثقافة وانعكس على كافة اشكال التعبير الأخرى وقد استخدم اللبنانيون كل شيء، استخداموا المسرح، كما استخدموا كل شيء.
في السبعينات
[ المدينة في السبعينات والستينات والخمسينات تختلف عن المدينة من العام 2000 الى العام 2010 . أين المسرح في هاتين المدينتين.
ـ مدينة منفتحة تساوي مسرحاً واسعاً مدينة خائفة مذعورة لا تساوي مسرحاً لانها اضحت هي المسرح. كيف لمسرح يقوم في لبنان امام هذا الكم من المسرحيات المتتابعة على الاراضي اللبنانية وفي الفضاء اللبناني عبر الاقنية التلفزيونية. وجد المسرح لغايات محددة وقد استنفدت هذه الغايات منذ فترة طويلة من الزمن. لم نعد تجريبيين ولا اختياريين ولم نعد نسعى الى مساءلة انفسنا عبر المسرح، وقعنا في الزمن الاستهلاكي بعد ان كنا ابطال الاقتصاد في العالم العربي. انهارت تجربة الاقتصاد اللبناني في العالم العربي ما خلف واحداً من ابرز الجروح الثقافية في لبنان. لم يعد بمقدور اللبناني ان يشتري مجلة اجنبية او كتاباً اجنبياً. لم يعد بمقدور اللبناني ان يقدم الثقافة على الحياة لانه ابن الحياة.
هكذا وجد اللبناني نفسه امام وقائع جديدة رهيبة ودراماتيكية لخصت عالمه في الطريق بين منزله ومقر عمله. كشفت الحال هذه وقائعه الراهنة كما ان غياب الافكار لعب دوراً في تراجع هواجس اللبناني الى القضايا المحلية والتفصيلية.
انتج اللبنانيون في الفترة الماضية على هدي الافكار العالمية. الآن نحن امام ندرة افكار ومفكرين او اننا امام مفكري سلطة آخرهم فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ والتي عاد واعتذر عنها، ثم هانتنغتون في "صراع الحضارات". لبنان نموذج نقيض لما يطرح الأخير لانه بلد حوار الحضارات هذه ميزتة وحين انقلب على نفسه خسر ميزته المدهشة هذه بحيث اصبحنا امام حالة من التصحر الفظيع.
هناك موجة مفكرين جدد في فرنسا غير انها غير مبلورة المعالم بعد. في الاتحاد السوفياتي نفتقد الى مفكرين. المسرح اليوم في مرحلة هدوء لان المسرحيين منصتون الى ما يعمل في دواخل العالم (جوفيات) .
كيف نستطيع العمل في المسرح مع موت الحياة الاجتماعية في لبنان؟
مدينة
[ هل يمكن القول إن المدينة صارت ضد المسرح؟
ـ المدينة صارت ضد الحياة الاجتماعية لأن الحياة الاجتماعية تقوم على لقاء. اللقاءات الاخيرة على مدى السنوات الماضية هي لقاءات نفور لا جمع هي لقاء اصطفافات حادة مع ظهور طبقة من الطفيليين المعربشين على جسد او ابدان قوى الاصطفاف. هؤلاء هم ابطال المرحلة والثقافة ليست طفيلية بل هي ضد الطفيليين. في غياب الحياة الاجتماعية لا مسرح في غياب الفكر لا مسرح اعطف هذا على ذاك واعطف ذاك على هذا وخذ نتيجة ما تبحث عنه.
[ يفهم من كتابتك ان المسرح في الحرب كان تحت سلطة الاحزاب؟
ـ سلطة الاحزاب طيفت السلطة المركزية اي حولتها الى طيف، عاضدتها المقاومة الفلسطينية هكذا أضحى اللبناني امام مجموعة من السلطات التي لا تشكل سلطة وامام سلطة هي سلطة الدولة هي اي شيء الا السلطة. وجد اللبناني نفسه جراء ذلك امام احتمال واحد ان يقود حياته بنفسه لا علاقة بالمغامرة بذلك فرضت الحرب علينا قوانين جديدة قبلناها واشتغلنا عليها لكي نخصب حياتنا بأشكال تعبيرها المختلفة بالحرية المطلقة التي منحتنا اياها: الحرب وهي حرية قابعة بين صنوين لدودين: الحياة والموت.
لا ارغب في تمجيد الحرب. لكن الحرب شكلت جزءاً من حياتنا ومنحتنا ان نحيا بإيقاع مضاعف لان علينا ان نواجه الموت وان نحيا كما نرغب وهاتان عمليتان مختلفتان. على هذه الارض غير المنبسطة اختبرنا علاقة الاشياء بكل ما هو اقصى. هكذا اندلعت عشرات تجارب طليعية في لبنان على صعيد المسرح والكتابة والفن التشكيلي والسينما، محاولات ارادت ان تخلل ثوابت الاوقات القديمة في حالة رؤى جديدة الابرز مشروع اصلاحي سياسي هو مشروع الحركة الوطنية. مشروع بسيط ومضحك لم يقبل به العالم لنجد انفسنا ضحايا عدم القبول. انضوى كثير من العلمانيين في هذا المشروع وبخسارتهم دفع البلد ابرز ابنائه وابرز قيمه وكاد يطيح بمستقبله.
.. وفي السلم
[ يستدل من كتابك أنه ما عاد عندنا بعد السلم حركة مسرحية في لبنان؟
ـ لا توجد حركة مسرحية اليوم في لبنان، هناك اعمال متفرقة تقف خلفها مجموعة من الاسماء المجاهدة في سبيل استمرار العملية المسرحية في لبنان، لكن ما ينقص هو حضور يطال المرحلة الماضية اي الفضاء الجامع. بغيابه ستبقى المحاولات محاولات عابرة كشهب في فضاء مظلم. حاولنا الخروج على منطق الاقلمة خلال الحرب الاهلية في لبنان فارتجت الاقاليم المجاورة من جراء ذلك وحاولنا الخروج على ستاتيكو الدولة وحين وردتنا اولى تقارير الضد بدأ ابطال المرحلة الماضية بالتهاوي، ما يرصده الكتاب هو سقوط ابطال المرحلة الماضية.
ادوار اميل البستاني العلماني اصبح مسؤول الشعبة الخامسة في القوات اللبنانية الشعبة التي تؤدلج العسكر في طريقهم الى جبهات القتال انتقل ريمون جبارة اللاسلطوي في مسرحه على تعويم السلطة في عهد أمين الجميل اثر تدمير الرئيس السابق لبيروت والضاحية الجنوبية. اندفع ريمون جبارة الى تعويمه حين عافه اللبنانيون حينها. لعب مثقفو الحزب الشيوعي واللبناني ومسرحيوه دوراً في السقوط هذا في وضعهم اليد على مؤسسات ثقافية وفي تمليكها الى اسماء صعب عليهم التواجد فيها. الكل شركاء على صعيد انهيار الداخل.
الانقلاب
[ هذا يتصدر طبيعة التوصيف لعنوان الكتاب الانقلاب على ابطال التغيير؟
ـ ما ذكرته سابقاً في صلب الجواب عن السؤال اذ ان معظم العلمانيين اضحوا طائفيين وانتقلوا من موقع الى آخر. الانتقال هو انتقال الى موقع ضد النفس، ضد الذاكرة، ضد التاريخ وضد المستقبل. لا اريد ان اشير الى طبقة جديدة في الثقافة اللبنانية هي طبقة المحرضين محرضين الناس على الناس محرضين الفقراء على الفقراء، النتيجة: اكل الفقير الفقر في شوارع بيروت. لست اميز هنا بين فقير وآخر لأن الفقر ليس صفة. قاد المسرحيون مسرحهم الى الموت في انقلابهم على ذواتهم، انقلاب ضد الحرية وفي غياب الحرية لا مهام. انقلاب ضد الديموقراطية وفي غياب الديموقراطية لا مسرح. بلا ديموقراطية لا احزاب وبلا احزاب لا ديموقراطية. لا تسأل عن الاحزاب الحالية لأنها احزاب بعيدة من مثل الاحزاب العليا. انها احزاب تمجد قيادة الشخص بدل ان تمجد مثلها.
ريادة
[ هل يمكن الكلام عن ريادة لبنانية طالعة من المسرح اللبناني، ام الريادة أتت من الخارج وتقمصها بعض المخرجين؟
ـ في الستينات والسبعينات اختار اللبناني ما اختاره لكي يختبره. في الراهن يختار لكي يقلّد. سوف اعطي مثلاً درجت في الآونة الأخيرة مسألة اعادة الاعتبار الى الكاتب المسرحي بعدما هيمن المخرجون على الاخير باعادة الاعتبار للكاتب المسرحي في الغرب، اعيد الاعتبار للكاتب المسرحي في لبنان في الخمسينات امام اللبنانيون آلية. الآن نشتغل على الحيوية او ما تبقى من الحيوية. بدأ اللبنانيون بالترجمة ثم بدأ اللبنانيون بالاقتباس ثم بالمشابهة ثم بالمساهمة ثم بالكتابة. بالزمن الاستهلاك الراهن نحن في عصر "الشنطة" او "شنطة المسرحية"، معنى ذلك اننا امام نموذجين: نماذج تقلد بعضها في مسرح القوانين ومسرحيات تشترى بالحقيبة من دولها. درجت في بدايات السلم الاهلي حكاية شراء مسرحيات برمتها في حقيبة وحين تفتح الحقيبة نفتح على كل الادوات المسرحية من تخطيطات الاخراج الى الديكور مجسداً بالقص الى النوتة الموسيقية مكتوبة على دفاتر الموسيقى.
مسرحيات جاهزة كعلب اللبنة او تنك الزيتون راكمنا غير اننا نقف اليوم عاجزين امام استعادة آلية جديرة تستطيع ان تحول الحيوية الى آلية.
[ ما كانت هذه الحيوية في الخمسينات والستينات صحوة حداثية؟
ـ الحيوية ليست قضية خارجية لذلك لا علاقة للحداثة بها، انت حي اذاَ انت حي لأن الحيوية غير ان تكون حياً. المهم في هذا المجال ان تستعمل هذه الحيوية في مكان يرفع بناءك الى حيث يجب ان يرتفع.
بالخمسينات والستينات وجد اللبنانيون انفسهم امام آلية اقامتها الظروف فصادروها بمهاراتهم. الآن نحن امام شكل كلي، حال موات مدمر، كشف زيف الدعاية القديمة القائمة على بروباغندا تمجيد اللبناني بالمجان وعلى ايديولوجيا رفعته الثقافية.
انا احترم المؤسسين لانهم اسسوا ما بنينا عليه، الا ان مرحلة التأسيس تفتتت على ضفتين: ضفة الانقسام الأهلي وضفة الانهيار الثقافي لأننا اصحاب تجارب ليست تجاربنا.
معاهد الفنون؟
[ هل يمكن القول ايضاً ان معاهد الفنون الجميلة اللبنانية والعربية صارت الى تراجع بفعل تراجع المستوى وبسبب تركيبتها الطائفية والمذهبية أو السياسية خصوصاً في لبنان؟
ـ تفريع الجامعة اللبنانية وتدميرها لعب دوراً رئيسياً على صعيد قيام حياة ثقافية متهافتة ليس لأن الجامعة اللبنانية جامعة فقراء، بل لأنها بؤرة إنتاج غير محدود. إنها مختبر لبنان القديم والتعرض لها كان تعرضاً مقصوداً حيث بمقدور هذه الجامعة اللبنانية ليس فقط توسيع الهوامش لمن يرغب بالتعبير، بل في اقتراح مأسسة الحال الثقافية الإبداعية بدون وقوعها في منطق الشاعر بول شاوول من الذين اختبروا هذا المختبر الإبداعي اللاطائفي والديموقراطي في الجامعة الوطنية ومعظم الاسماء المذكورة من الكتّاب تركت الجامعة اللبنانية للتدريس في جامعات ومعاهد خاصة. ثم ان منهج معهد الفنون في الجامعة اللبنانية الذي وضعه أنطوان ملتقى في الخمسينات لا يزال مستمراً الى الآن، وكأن شيئاً لم يطرأ على العالم.
[ هل يمكن القول أيضاً أن معاهد الفنون الجميلة العربية صارت جسراً الى التلفزيون اكثر مما يفترض أن تكون منصة للإبداع المسرحي؟
ـ تخرج معاهد الفنون إداريين تلفزيونيين لطالما رفضنا العمل في الأقنية التلفزيونية لأنها ترفع شعار البلادة ولا تقدم ما هو مثير. الآن يتهافت خريجو المعاهد الفنية الى التلفزيونات لأن معهد الفنون أضحى تحت مستوى التلفزيونات. أقامت الجامعة اللبنانية حكومات ظلية في الستينات نافست الحكومات القائمة وغلبتها. قادة الحركة الطلابية كانوا قادة للبلاد. حين أمسكت الجامعة اللبنانية بزمام البلد تحول البلد الى منصة غير هادئة البتة، لأنه أخضع الى كل ما حصله الطلاب اللبنانيون على صعيد الفن والثقافة وما يعكسه ذلك في الحياة السياسية. واحدة من الإشارات المحيطة هي قوة السياسي على المثقف. في الماضي بانت سطوة المثقف على السياسي كسيف يمتد من المحيط الى الخليج. انقلب عاليها أسفلها على ما يقال. في الستينات توقف جلال خوري أمام معضلة من معاضل حياته الإبداعية أراد أن يفسر نجاح جحا في القرى الأمامية، شلّ نفسه على مدى 10 سنوات وهو يحاول أن يقرأ آليات النجاح. فشل لأن ليس ثمة آليات لنجاح العمل المسرحي. حملها الظرف الى النجاح، حملتها الرغبة، حملتها قضايا كثيرة غير الآلية التي بحث عنها المسرح اللبناني. فيما بعد اشتدت سواعد التجربة. فهم اللبناني مسرحه بعد أن اكتسحه المسرح. أصبح بريشت سلطوياً من كثرة ما اشتغل عليه مثقفو السلطة في البلدان العربية وأفرغوه من كل مضامينه. لم يكتشف اللبنانيون شيئاً حين اكتشفه الاكتشاف ثم سبحوا به كذبوا وصدقوا كذبتهم، وحين ملّ منهم العالم انقلبوا على أنفسهم بعد أن انقلب العالم بهم. هكذا تسير هذه المعضلة الهائلة في حياة اللبنانيين. مؤسس المسرح في لبنان منير أبو دبس شخص غير مفهوم أقمت حوارات عديدة معه، قادتني الى كل شيء من دون أن تقودني الى شيء. مسرحيته الأولى هي مسرحيته الأخيرة. أنطوان ملتقى أقام حلقة المسرح اللبناني وناقش مدرسة المسرح الحديث أقام التنافس جواً. أقام الجو مسرحاً. أقام المسرح تجربة منفتحة على تجارب العالم. الآن في غياب الانفتاح وفي غياب التجربة هناك مسرحيات "مارقة" لا غير.
[ إذاً كتابك سيرة نقدية وإنسانية معاً؟
ـ مادة الكتاب عبارة عن دائرة واسعة من القضايا والتفاصيل. الأكيد أنه ليس كتاب سير لأن السير مفتوحة على بعضها. بدأ كل المسرحيين في صحن واحد، ثم ذهب كل الى تجاربه الخاصة.
[ أنت تناولت الشخصيات الأساسية بالمسرح اللبناني ومؤسسي المسرح مقاربة شخصية أيضاً؟
ـ هكذا الكتاب يقارب الشخصي لأن الشخصي هام لدى المسرحي ويذهب الى رسم البيئة الاجتماعية والثقافية للمسرح، لأنها منتج المسرح في لبنان، الأهم أنني أتوقف نقدياً شارحاً بناء الشخصية المسرحية من خلال الشخصية الإنسانية ومن خلال التجربة المسرحية. هكذا الكتاب بيكار عريض لا يغلب فيه تفصيلٌ تفصيلاً آخر. ثم ان خيط الاتصال موجود بالأساس، لذلك تمتد الفصول الى بعضها لكي تشبك حياة التجربة اللبنانية من خلال حياة أبطالها.
ريادة لبنانية
[ هل يمكن الكلام عن ريادة لبنانية خالصة في المسرح اللبناني أم أن الريادة امتداد للتجارب والمدارس الغربية من حيث الكتابة والإخراج والرؤيا؟
ـ أولاً، ذهبت الى تأصيل تجربتها في المسرح طرحت عشرات وجهات النظر وتم الانتقال على مصوغات وبنى عاش بعضها ومات الآخر. نحن معروفون عالمياً على الصعيد المسرحي، لأن بعض التجارب قدمت بضاعة اللبنانيين الى العالم، ولم تقدم بضاعة العالم الى العالم. لا يحتاج الإنكليزي الى من يقدم شكسبير إليهم ولا يحتاج الألمان الى تقديم بريخت وبيسكاتور إليهم.
فضيلة بعض المسرحيين اللبنانيين أنهم فهموا تجارب وصاغوا أسئلتهم الشخصية من خلال فهمهم لهذه التجارب ما قادهم الى بلورة حضور خاص.
[ إذاً هل يمكن الكلام عن ريادة لبنانية خالصة في المسرح اللبناني؟
ـ على صعيد العالم العربي يمكن الكلام عن ريادة مارون النقاش، ثم منير أبو دبس وهما رائدان للحركة المسرحية في لبنان. لبنان فيترين الثقافة والعالم العربي. ولا يزال على الرغم من إطلاق النار على هذه الفيترين (vitrine) ببنادق كثيرة! صحيح أتى مارون النقاش بالمسرح من الخارج. ذهب لغاية تجارية وعاد بمسرح قبل أن يعلن بيان إحباطه. وجاء منير أبو دبس من باريس، عاد لكي يساهم في تأسيس تلفزيون لبنان واستبقته لجنة مهرجان بعلبك ليقيم أول محترف مسرحي في لبنان.
[ في تناول الشخصيات خيط لا يقول بأن هناك انسجاماً بين ما طرح هؤلاء المؤسسون فكرياً وفنياً وبين أعمالهم عبر الاشتغال من المسرح النضالي أو النخبوي الى المسرح التجاري، الى الإيديولوجيا، الى الطائفية.
ـ هي تجربة من إتجاهات عديدة. الآن نحن أمام اتجاهات بلا تجربة. حين وقعت الحرب وقعت أولاً في دواخل الناس. لا تغشك مشاهد الدمار هذه ليست نتائج الحرب، نتائج الحرب موجودة في دواخل المواطنين اللبنانيين وفي دواخل المثقف والفنان اللبناني على الأخص، الذين كشفتهم الحرب وعرّتهم وقادتهم الى سوء السبيل.
[ كأنك تمارس قسوة ما على هؤلاء المؤسسين؟
ـ لماذا؟ هم ساهموا في قيام الحرب. نفسها مسرحية "مجدليون" تنتهي بمسرح يركز على قنبلة تبقى "تتكتك" في آذان الناس. بعد المسرحية هجت التجربة البرجوازية اللبنانية، في حين لم تجد ممولاً لها سوى هذه البرجوازية نفسها. روجيه عساف متحول من جزويتي الى قومي عربي الى تروتسكي، الى فوضوي، الى مسلم. روجيه عساف مقاتل من مقاتلي الحرب الأهلية في لبنان، وجد على كمائن الشياح في مواجهة اليمين، من علماني الى لا علماني، الآخرون مثله، أردد حكاية إدوار أمين البستاني لأنها ناصعة من الحزب القومي الى القوات اللبنانية ومن واضع السياسة الإعلامية في عهد فؤاد شهاب، الى مؤدلج القوات اللبنانية.
يعقوب الشدراوي من الحزب الشيوعي اللبناني وهو طرف في الحرب. منير أبو دبس "شارلتان" المسرح اللبناني، على ما يقدمه رفاقه. قرأ عليهم من كتاب غير معروف ثم اكتشفوا أنه اعداد الممثل ستانسلافسكي لم يخض منير أبو دبس غمار الحرب، غير أنه خاض حربه الخاصة وهي حرب الانتماء، طارت بين بيروت وباريس هناك آلاف التفاصيل في الكتاب عن هؤلاء وآخرين.
ريمون جبارة "جميلي"، ولا أريد أن أقول أنه كتائبي لعلاقته بالرئيس الجميل. هناك كتّاب انتقلوا من أقصى اليسار الانفتاحي، الى أقصى الانعزال.
[ والعكس ربما؟
ـ ربما هؤلاء اختصارهم مستحيل بكلمات قليلة. ما يعنيني أن ما دعوا إليه أكلهم.
[ الى أي درجة وقع المسرح اللبناني في الفئوية والإيديولوجية والطائفية والارتهان للأمر الواقع؟
ـ بمرحلة كان فئوياً، ثم تحول طائفياً ثم تحول مذهبياً. أحوال المسرح من أحوال البلد وأحوال البلد من أحوال العالم. لست مذعوراً من أحوال المسرح في الأيام الراهنة لأننا ازدهرنا حين ازدهر المسرح في العالم، وحين يعود المسرح في العالم نعود الى ازدهار التجربة من لبنان. السؤال المطروح من يقود التجربة وكيف تقود التجربة، مع جملة تغيرات كبرى طرأت على العالم. الأكيد أننا لم نعد مستوردين أضحينا أصحاب تجربة، سوف تبدأ من جديد من حيث انتهت إليه التجربة في لحظات اشتعالها القصوى.
[ وهل استطاع هؤلاء أن يقولوا ما يريدون تحت سيطرة قوى الأمر الواقع؟
ـ كلهم قالوا ما أرادوه باستثناء شخص واحد هو أنطوان ملتقى، الذي لم تحبطه الحرب فقط، بل أطاحته. عند هذا الرجل الكثير وخسارته في تجربة المسرح، خسارة لبنانية فادحة.
نمتلك اليوم مخرجين ونمتلك كتاباً، ونمتلك مهني مسرح وهذا ليس بسيطاً لأنه يشكل قاعدة الانطلاق في أي مناسبة سانحة، الى استعادة علاقتنا بالمسرح، كأحد أشكال التعبير المتقدم في حياتنا، ولدينا المراحل ما قبل الحرب وأثناءها وما بعدها وهي مراحل تراكمية وتأسيسية.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | مخافر و محاكم | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | أهْوَاء | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005