خروج لبنان من أولويات الهموم "الأوبامية" يفرض استمرار الوفاق اللبناني ـ اللبناني وتجنّب "الزلازل" خيار الحرب مع إيران عامل ضغط للتفاوض طوال 2010 المستقبل - الثلاثاء 9 شباط 2010 - العدد 3563 - شؤون لبنانية - صفحة 2
|
|
|
اسعد حيدر لم يحقق الرئيس باراك اوباما في العام الأول من ولايته أياً من الأهداف الرئيسية التي تعني المصالح القومية الأميركية والعالم معاً. لذلك يبدو السؤال كبيراً حول ماذا سيفعل في السنة الثانية خصوصاً انه يواجه استحقاقاً داخلياً إضافياً ومهماً وهو الانتخابات النصفية للكونغرس. حتى الآن لا تبدو التحولات مشجّعة. احتمال خسارة الإدارة الأوبامية لعدد كبير من المقاعد ممكن جداً، ما يعني المزيد من القيود على قراراته. رغم هذا يجب عدم الاستخفاف بالرئيس اوباما واتهامه بالضعف لأنّ ذلك سيدفعه إلى التطرّف في قراراته، رغم أنه أثبت في الفترة الأخيرة أنه قادر على "الضرب بيد من حديد" عندما يضطر. هذا ما فعله في مواجهة الصين التي استخفّت به كثيراً رغم مبادراته الإيجابية تجاهها، فكان أن أقرّ صفقة السلاح مع تايوان وهو يعلم مدى حساسية ذلك بالنسبة لبكين، ثم أردف هذه الصفقة تأكيداً منه لموقفه المتحدّي، الالتقاء بالدالاي لاما في واشنطن، وهو الذي كان قد تجنّب الالتقاء به قبل ذلك حتى لا يثير الغضب الصيني. أما بالنسبة لأوروبا، فإنّه تحمّل الكثير منها خصوصاً من نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي، حتى جاءت لحظة الردّ، فأعلن البيت الأبيض أن أجندة الرئيس مليئة ولذلك لن يستطيع المشاركة في القمة الأورو أميركية في اسبانيا، علماً أنّ هذه القمّة مقرّرة منذ عام تقريباً وكان باستطاعته، لا بل من واجبه، أن يضع أجندة لقاءاته ونشاطاته على ضوء هذا الموعد الثابت. عملياً ألغى القمة، ربما تُعقد مع قمّة حلف الأطلسي في الخريف المقبل. الأولويّة للحرب ضدّ "القاعدة" هموم الإدارة الأوبامية في العام 2010 لا تختلف كثيراً عن العام الماضي، لكن أهميتها أنها أصبحت تشكّل تحدّيات كبرى لا يمكن التعامل معها ببرودة. هذه الهموم الملفات هي: الحرب ضد الإرهاب، المعضلة الإيرانية وعملية السلام الراكدة في الشرق الأوسط. "القاعدة" هي قمّة الهموم الأميركية. الحرب ضدّ الإرهاب ما زالت أولوية الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. "الإدارة الأوبامية" أمام تحدّي الحرب في أفغانستان وامتداداتها في باكستان. محاولات المصالحة والتفاهم مع جزء من "الطالبان" فشلت حتى الآن. عملية الفصل بين "الطالبان" و"القاعدة" فشلت أيضاً، لذلك ستشهد الحرب في أفغانستان تصعيداً نوعياً. القوّات الأميركية والحليفة عليها الخروج من هذا الشتاء بأقل خسائر ممكنة. في الوقت نفسه عدم الانزلاق نحو "الفتنمة" بحيث لا تصبح افغانستان فيتنام اوباما. أخطر من هذا الفشل حتى الآن تمدّد الحرب إلى اليمن. تحوّل اليمن إلى قاعدة لـ"القاعدة"، في وقت ان تحرّك "القاعدة" في الصومال بحرية تقريباً يشكّل خطراً استراتيجياً ودولياً ضخماً. اكتشاف موقع اليمن في استراتيجية "القاعدة" وحربها الإرهابية بعد القبض على النيجيري عمر فاروق عبدالمطلب بعد فشل عملية تفجير الطائرة الأميركية، فرض على أوباما فتح جبهة جديدة مكمّلة للجبهة الافغانية رغم الكلفة الباهظة لهذه الحرب. كيفية جمع أكبر عدد من الحلفاء الناشطين في هذه الحرب لضرب "القاعدة"، ستكون المهمّة الأولى لـ"الإدارة الأوبامية" هذا العام إلى جانب المواجهة المباشرة الميدانية وما يرافقها دائماً من "حرب خفية" على مساحة العالم، حيث الوقائع تعلن ما جرى تخطيطه سابقاً. كل المحاولات التي قام بها اوباما حتى الآن باتجاه إيران فشلت. سبق وأن وجّه اوباما إلى المرشد آية الله علي خامنئي رسائل مباشرة واحدة منها حملها كما يبدو مبعوث خاص منه. الأمر يزداد سوءاً، كل تراجع أميركي يقابله تقدّم إيراني. كل اعتدال أميركي يقابله تصعيد إيراني. عدم امكانيّة الحسم حوّلت المشكلة مع إيران إلى معضلة. الحرب مستحيلة حالياً لأن كلفتها أكبر بكثير من عائداتها. والمصالحة ممنوعة لأنّ إيران لن تتنازل عن مكاسبها التي ترفع منسوبها يومياً. اوباما اختار ما أطلق عليه "النهج المرن"، وهو كما يبدو سيتابعه طوال العام 2010. هدف الرئيس الأميركي من تنفيذ هذا "النهج"، إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات التي يجب أن تعالج مسألة امتلاك إيران للقوّة النووية مع تخلّيها عن أي برنامج عسكري تنفّذه سرّاً وعلانية. باريس أصبحت على يقين أنّ البرنامج النووي الإيراني عسكري. التقنية المستخدمة في صناعة الصاروخ الذي حمل الجرذان وغيرها إلى الفضاء، تقنية توازي صناعة الصواريخ الباليستية حاملة الأسلحة النووية. بهذا الاطار إيران كسبت معركة شرعيّة امتلاك القوة النووية السلمية. التخصيب لم يعد موضع نقاش. ما بعد التخصيب هو الملف المختلف عليه. واشنطن تقرّ حالياً مواجهة الواقع كما هو. يبقى على طهران العمل بالمثل. اللعب الإيراني على الخلافات ما يزيد من مصاعب المهمة الأميركية الخلاف وحتى الاختلاف مع الصين وروسيا. المجتمع الدولي لن يصل إلى نتيجة ما لم يقع الاتفاق المطلوب. تناقض المصالح يحول دون هذا الاتفاق. طهران يمكنها اللعب على هذه الخلافات حتى استنزافها كلياً. لكن ذلك لن يمنع تواصل الضغوط. عام 2010 مفتوح كلياً أمام هذه السياسة. التهديد بخيار الحرب مجرّد عامل ضغط حتى مطلع 2011 بعد ذلك يمكن التعامل مع جدّية هذا الخيار سلباً أو إيجاباً. الرئيس باراك اوباما ليس مسؤولاً مباشراً عن الإخفاق في حل النزاع العربي الإسرائيلي. هذا الملف المعضلة، له جذوره وأسبابه التاريخية، يُضاف إلى ذلك جمود الإدارة البوشية وعدم اتخاذها أي مبادرة حقيقية ما أنتج عملياً صعوداً للتطرّف الإسرائيلي. طالما أنّ إسرائيل لا تُسأل عن تطرّفها ورفضها الدائم لكل الطروحات ونشاطها المعاكس والمناهض، من الطبيعي أن تتطرّف. التطرُّف في حالتها يرفع من رصيد مكاسبها. تحريك عملية السلام الراكدة مطلوب وملحّ أكثر من أي وقت مضى خلال العام 2010. مضى العام 2009 من دون أي حضور أميركي حقيقي. الدور التاريخي لواشنطن في هذا الملف غاب كلياً. لا يمكن للإدارة الأوبامية الاستمرار في هذا النهج خصوصاً أنها اعترفت بأنّ الحل لهذا الصراع من صلب المصالح القومية الأميركية. حالياً يتم الإلحاح من القوى الناشطة في واشنطن على ضرورة: تقديم اوباما اعترافاً والتزاماً لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولذلك عليه تقديم ما يمكنه من الدعم السياسي والاقتصادي لصياغة الحل وتنفيذه. بذل المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل المزيد من الجهود وتقديم أفكار جديدة لإحياء عملية السلام. الانتقاد الذي وجّهه اوباما إلى مبعوثه غير مسبوق لكنه لا يحلّ المشكلة، لأنّ الأساس هو صدور موقف حازم وحاسم ونهائي من الإدارة الاوبامية حول ماذا تريد وكيف ستعمل للعثور على حل. الإدارة الاوبامية تتعامل مع ملف العراق الضخم في العام 2010 وكأنه في الموقع الثاني. من الواضح جداً انّ هموم "الإدارة الأوبامية" تتجاوز الملفات الصغيرة، خصوصاً إذا ما أُضيف إلى أولوياتها ملف الأزمة الاقتصادية. لذلك كله، من الأفضل للبنان واللبنانيين أن يأخذوا جدّياً بهذا المسار وأن يعملوا على التهدئة واستمرار ضبط الأوضاع تحت سقف الاتفاق والتوافق العربي والدولي وعدم الانجرار نحو الانقسامات الداخلية، لأنّ وحدها "الزلازل" الضخمة قد تحوّل أنظار "الإدارة الأوبامية" باتجاهها. من الطبيعي أن اللبنانيين وهم على موعد مع ذكرى "زلزال" 14 شباط وارتداداتها أن يقولوا: كفانا "زلازل".
|
|