الجمعة 3 أيلول 2010

ص21ص20

الأصوات الروائية المغاربية الجديدة في الألفية الثالثة (2)


"بين الموسيقى والباطن .. مغامرة إيزوتيريكية في خفايا العلاقة القائمة بين الإنسان والألحان"


اصدارات



الأصوات الروائية المغاربية الجديدة في الألفية الثالثة (2)

المستقبل - الاثنين 22 حزيران 2009 - العدد 3341 - ثقافة و فنون - صفحة 20


عبدالرحيم العلاّم()

ويمكن القول بأن أهم خاصية تطبع الكتابة لدى هذه الأصوات الروائية الجديدة في المغرب، خلافاً لنفس التجربة في مصر مثلاً، هي خاصية "التشظي". فهذه الأصوات الروائية الجديدة في المغرب لم تأت استجابة لتيار إيديولوجي سائد، أو لحساسية إبداعية جديدة، أفرزتهما المرحلة، خصوصاً وأنها أصوات تنتمي، كما سبقت الإشارة، الى أعمار متباينة، وتنحدر من اهتمامات ثقافية ومهنية مختلفة، وتتحكم في إقبالها على كتابة الرواية عوامل واشتراطات متباينة، مما جعل "تشظيها"، على مستوى أوضاعها الاعتبارية، ينعكس حتماً على "تشظي" تصورها للكتابة الروائية، وعدم تجانسه، من دون الارتكان أو الاحتكام الى معطى نظري وإبداعي خاص، هو الذي يؤطر هذه التجربة الروائية الجديدة، ويوجه تصورها للكتابة الروائية عموماً، وهو ما يجعل من هذه الأصوات اليوم مجرد "امتداد" فقط (لكنه أساسي بطبيعة الحال) للتجارب الروائية السابقة عليها، بما هو امتداد في الازمنة الإبداعية، وفي التراكم الروائي العام.
كما أن تزايد التراكم الروائي لدى الأصوات الجديدة، سنة بعد أخرى، موازاة مع نشاط ظاهرة النشر على نفقة الكاتب، قد لا يعني وضعها جميعاً في خانة واحدة، فقط لمجرد انتمائها الى نفس المرحلة الزمنية التي أفرزتها، أو لانتمائها الى جيل يؤمها ويؤطرها، حيث إن معظم نصوصها تبقى جد محتشمة، في استسهالها المفرط لكتابة الرواية، كما هو الشأن عند "روائيي" الموجة الجديدة في أقطار عربية أخرى، الأمر الذي يجعل تحقق تراكم روائي جديد بالمغرب يبقى مسألة نسبية جداً، خصوصاً وأن هذه الأصوات الروائية الجديدة لم تعلن بعد عن فرضياتها، بعد أن اجتذبتها الرواية نحو إغرائها الماكر والفاتن.
غير أن تشظي هذه الأصوات الروائية الجديدة لا يلغي توفر خصائص مشتركة فيما بين نصوصها، خصوصاً من حيث اهتمامها، المتزايد والمهيمن، بصوغ أسئلة "الذات" أساساً، في بحثها المتلاحق عن هويتها المتشظية، وسط عالم متشظ ومهزوز القيم أيضاً، مما يجعلنا نقر بوجود روابط بين مجموعة من نصوص هذه الأصوات، من زاوية قيام الرغبة والجرأة لدى بعضها على تعرية الواقع واختراقه لأجل تجاوزه، سواء عبر السخرية والتهكم منه، أو عبر مزجه بالغرائبي، والاحتفاء بالذات وجروحها وانكساراتها، والتصالح مع الجسد، والاهتمام بالهامشي والجمالي والحسي، وإن بدا أن ثمة تفاوتاً كبيراً، على مستوى القيمة الفنية واللحظات الجمالية الفارقة بين نص وآخر، وأيضاً على مستوى درجة المعرفة والتمثل والبحث والاستيحاء لهذه الثيمة أو تلك، وفي زوايا الرؤية الى هذه القضية أو تلك، وهو ما يكشف لنا بالفعل عن نصوص روائية جديدة، تتجاوز التجربة، كما انتصرت لها نصوص أخرى.
[الامتداد
هكذا، يصبح من الصعوبة الحديث عن قطيعة "معرفية" أو "سردية"، بتعبير صبري حافظ، بين نصوص هذه الأصوات الروائية الجديدة وروايات الأجيال السابقة، ولا عن جماليات سردية لافتة تميز هذه النصوص الجديدة دون غيرها، بقدر ما يمكن الحديث، في المقابل، عن خاصية "الامتداد" في الكتابة، أي امتداد نصوص جديدة فيما سبقها من نصوص الأجيال السابقة. ومن هنا، علينا تلقي هذه النصوص الروائية الجديدة في امتداها، فـ"القطائع ليست بالضرورة تجاوزات، لكنها مسارات محتومة ومشروعة"، على حد تعبير خالد زكري، خصوصاً وأن هذه الأصوات الجديدة لم تعبر بعد، بشكل واضح ومباشر، عن الخلفية الفكرية، ولا عن التصورات الجمالية والنظرية التي توجهها، وتؤطر طبيعة رؤيتها الى الكتابة والعالم، كما أنها لم تصدر الى حد الآن أي بيانات أدبية، تكشف فيها عن ردود فعلها، تجاه السائد من الروايات الراسخة التي كتبها الأسلاف، مما يصعب معه اعتبار هذه الأصوات الجديدة ظاهرة أدبية، أو موجة، أو تياراً..
هذه الأصوات الجديدة التي تكتب الرواية بالعربية، توازيها أصوات روائية جديدة تكتب أيضاً بالفرنسية والإسبانية والهولندية، في تفاوت أعمار هؤلاء الروائيين والروائيات، حيث يوجد من بينهم من بدأ الرواية في سن متأخرة (محمد لفتاح وسعاد بهشار وسعيد الجديدي)، الى جانب روائيين آخرين ينحدرون، هم أيضاً، من أعمار متفاوتة، ممن يكتبون الرواية اليوم باللغة الفرنسية تحديداً: رجاء بنشمسي، بثينة عزامي الطويل، عبدالله الطابع، ياسمين الشامي الكتاني، ثورية أولهري، سهام بنشقرون، وسواهم. وقد جاءت نصوصهم الروائية الأولى مطبوعة، هي أيضاً، بحس جمالي لافت، انطلاقاً مما تكشف عنه من أسئلة، ومما تلامسه من قضايا وثيمات، حول الذات والهوية الفردية والجنس والسياسة والذاكرة والتمزق والاعتقال السياسي والمثلية الجنسية والرغبة في التحرر.
[قضايا وأسئلة مهيمنة في روايات الأصوات الروائية الجديدة في المغرب
بالعودة الى التراكم الروائي الذي حققته هذه الأصوات الروائية الجديدة، يمكن القول إن الطابع الغالب على موضوعات نصوصها الروائية الأولى، يندرج بشكل عام في صلب قضايا المجتمع المغربي، بما شهده من تحولات بنيوية وسلوكية مؤثرة، ساهم في تحريكها بروز أشكال جديدة للتطرف الاقتصادي والديني، وتفشي الفساد والنهب والرشوة والقهر الاجتماعي، وانهيار القيم، وتزايد الشعور بالإحباط لدى فئة الشباب، وتفاقم البطالة لدى قاعدة عريضة من خريجي الجامعات والمعاهد، وتنامي وهم الحلم بالفردوس المفقود، مع ما يوازي ذلك كله من حدوث انفتاح ملحوظ في مجال الحريات العامة، خصوصاً حرية التفكير والكتابة والتعبير والإعلام، وإن كانت بوادر ذلك قد بدأت تلوح في الأفق، منذ العقد الأخير من القرن الماضي..
ساهمت تلك التحولات الطارئة في المجتمع في توليد أسئلة مقلقة، لها علاقة بقضايا وثيمات مهيمنة ومتشابكة فيما بينها، وتشكل حلقة وصل بين عدد من نصوص هذه الأصوات الجديدة، وتتبأر أساساً حول: الذات والهوية والآخر والبطالة والهجرة وحقوق الإنسان والإرهاب والاغتراب والعزلة والاعتقال السياسي والقهر الاجتماعي والنفسي والجنس والحب والجسد والذاكرة وتغير القيم والتحرر وسؤال الكتابة والمدينة والقرية، وذلك بشكل يضفي على مجموعة من تلك النصوص الروائية الأولى نكهة إبداعية خاصة، بعد أن تزايد الاهتمام بهذه الثيمات، وبغيرها، بمثل تزايد الاهتمام برصد الأحداث الصغيرة والهامشية، والتفاصيل الفردية والنفسية، وإعادة ترتيب العلاقات في المجتمع، وغيرها من الأسئلة والانشغالات والقضايا الموازية، تلك التي طفت مجدداً على السطح، فشكلت هاجساً مهيمناً لدى هذه الأصوات الجديدة، على أثر التبدلات التي طالت مجتمعاتنا العربية، من قبيل أسئلة: الحب والحرية والجنس والاغتصاب والجسد..
[الحياة الجديدة
وهو ما يدفعنا الى القول بأن هذه التجربة الروائية الجديدة قد تأثرت، الى حد ما، بأشكال الحياة الجديدة في المجتمع الذي ترصده، بما في ذلك ملاحقتها لمختلف التغيرات التي أصابت مجتمعاتنا العربية، سواء في طرائق تفكيرها، أو في تفسخ قيمها، أو في ظواهرها الاجتماعية والسياسية والثقافية، أو أيضاً في متغيراتها المعرفية والتقنية والاستهلاكية، مما مكن مجموعة من نصوص هذه التجربة الروائية الجديدة من النفاذ، بشكل أو بآخر، الى مناطق جديدة، وغير مطروقة بهذا الشكل الجديد الذي تفاعلت معه نصوص هذا الجيل العربي الجديد من الروائيين، خصوصاً فئة الشباب منهم.
وبالإمكان التوقف عند بعض النصوص الروائية الأولى، في انتمائها جميعاً الى سنوات الألفية الجديدة، في محاولة للاقتراب من طبيعة انشغالات كتابها، وقد اختاروا الرواية فضاء للكتابة والتعبير، وفي محاولة أيضاً لاستجلاء جانب من الثيمات والقضايا والأسئلة التي جاءت هذه النصوص محملة بها، ومهووسة بتمثلها وببنائها، تخييلياً وسردياً.
من بين الروايات الأولى التي جاءت مبشرة بحدوث نقلة جديدة في مجال كتابة الرواية بالمغرب، في بداية الألفية الثالثة، رواية "البعيدون" لبهاء الدين الطود (الصادرة في طبعة أولى عن روايات الهلال، القاهرة 2001، وفي طبعة ثانية بطنجة في العام نفسه). كما أنها رواية ممتلئة بخبرة كاتبها في القراءة، وبتجاربه وأسفاره في الحياة، وفي الأمكنة والوجوه، وبموهبته اللافتة وحسه الفني، قادماً الى الرواية من محاولات لم يكتب لها أن تستمر مع كتابة الخاطرة والقصة القصيرة، وهو اليوم يمتهن المحاماة بمدينة طنجة.
صدرت رواية "البعيدون"، محملة بقدر كبير من المتعة في الحكي والجمالية في الشكل، مما قوّى تفاؤلنا لحظتها، بعد بعض تجارب التسعينات الناجحة، بمستقبل الرواية المغربية المكتوبة بالعربية، وبحدوث انتعاشة جديدة في مسارها التطوري والجمالي العام.
لقد اختارت رواية "البعيدون" منذ البداية، الاحتفاء بعالم الموسيقى والرقص والحب والجمال والمتعة والرسم والشراب والذكريات والفرح، في مقابل عالم يعج بالفقد والموت والاغتراب والمنفى والاختفاء والضياع. ويتم تركيب ذلك في هذه الرواية عبر استثمار فضاءات متداخلة فيما بينها، حضارياً وتاريخياً ونفسياً: اسبانيا ـ المغرب ـ هولندا ـ انكلترا، في محاولة من السارد، ومن الشخصية الرئيسة (ادريس) في الرواية، إعادة صوغ سؤال العلاقة الملتبسة بين الأنا والآخر، في صورتها التاريخية والسياسية والنفسية المعقدة. وتلعب المرأة (المسيحية واليهودية) دوراً كبيراً ومؤثراً في توجيه الحكي، وتنويع ثيماته الصغرى، وفي تشبيكها وتلغيزها أيضاً، أمام قيام رغبة جامحة لدى (أدريس) في التحرر والانعتاق، وفي امتلاك أجساد جديدة، وخوض تجارب الحب والجنس مع نساء من هنا وهناك، من اسبانيا وهولندا وفرنسا وانكلترا، عبر فتح وغزو للآخر، جنسي هذه المرة، ربما شعوراً منه بإمكانية استرداد ما ضاع منه (تاريخياً)، وهو بذلك انما يجسد من جديد "مقولة الاغتراب" في صورة بطل إشكالي، يصبو الى الارتقاء الى مستوى الإنسان الكلي المتجاوز لذاته ولمجتمعه. ذلك وضع، تمكنت معه هذه الرواية من المزاوجة، الى حد ما، بين موقفين يطبعان فيها علاقة الأنا بالآخر: موقف يتميز بـ"النظرة السمحة المتفتحة والموضوعية والإنسانية تجاه الأنا"، وموقف "يصنف العرب والمسلمين في خانة العدو ـ المتخلف ـ الإرهابي ـ المتوحش"، وإن كانت هذه الرواية تنتصر، في الأخيرة، للموقف الشوفيني الضيق الذي تختصره عودة البطل (ادريس) الى مسقط رأسه بالمغرب، حيث لقي حتفه وقد جرفه سيل الوادي بمدينة القصر الكبير.
[استعادة المدينة روائياً
بعد بداية لمحمد أنقار مع كتابة القصة القصيرة في الستينات من القرن الماضي، لم يكت لها أن تستمر إلا مع بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث صدرت له ثلاث مجموعات قصصية، ينعطف هذا الكتاب فجأة نحو كتابة الرواية، ليفاجئنا بإصدار روايته الأولى، اختار لها عنواناً دالاً وموحياً "المصري" (صدرت في طبعة أولى بالقاهرة عن سلسلة روايات الهلال، عام 2003 (وفي طبعة ثانية بالرباط عن سلسلة (روايات الزمن)، كما صدرت له، عام 2007، روايته الثانية بعنوان "باريو مالقه"، في طبعتين، هو المعروف أيضاً بدراساته حول الرواية وأدب الطفل والصورة في الرواية، الى جانب إنجازه لبعض الترجمات.
وتكمن أهمية رواية "المصري"، في توفرها على خصائص تميزها، كما تميز طرائق كتابتها وسردها، سواء على مستوى فكرة الرواية وموضوعها، أو على مستوى طريقة تناولها له: موضوع كتابة رواية عن مدينة (تطوان) الواقعة شمال المغرب.
غير أنه بالرغم من كلاسيكية الكتابة روائياً عن "المدينة"، فإن الكاتب محمد أنقار، الى جانب روائيين آخرين ظهروا أخيراً فقط، قد أضفى عليها طابعاً جمالياً ودلالياً مختلفاً، انطلاقاً من كون رواية "المصري" تراهن، منذ البداية، على إعادة كتابة عتاقة مدينة مغربية وأصالتها، من خلال التفكير في سؤال الكتابة الروائية تحديداً، باعتباره يشكل، في هذه الرواية، هاجساً مركزياً ومهيمناً ومتناسلاً، على امتداد البناءين السردي والحكائي، وتحديداً عبر لجوء الروائي، ومن خلاله السارد، الى استيحاء تجربة نجيب محفوظ في بعض رواياته عن مدينة (القاهرة)، بما هي روايات أعجب بها السارد ـ الشخصية الرئيسة (أحمد الساحلي) في رواية "المصري"، كما أعجب بشخصياتها الروائية، وبحيواتها ومصائرها، وهي تقلدها في أوضاع مشابهة ومقارنة، وفي حالات تجسد افتتان السارد بروايات نجيب محفوظ، وخصوصاً فيما يتعلق بطرائق الكتابة والوصف والتصوير.
من ثم، يراهن السارد أحمد الساحلي على امتداد الرواية، على تمثل كل تلك الخصائص، في محاولة منه كتابة رواية عن مدينة (تطوان)، على غرار مدينة (القاهرة) في روايات نجيب محفوظ. غير أن هذه المحاكاة، في أبعادها ومكوناتها المختلفة، كانت تواجه دائماً بنوع من الفشل الذريع، في اعتقاد السارد وليس القارىء، بالنظر الى تعذر وصول أحمد الساحلي الى كنه مدينته (تطوان)، ومن ثم صعوبة استيحائه لأجوائها وحاراتها ومعالمها العتيقة، وتمثل حكايات شخوصها، وإن بدا، في نهاية الأمر، فشلاً للتمويه فقط، في رواية نجحت في النفاذ الى عمق مدينة عريقة، انطلاقاً من إحساس عميق بالمكان، وافتتان واحتفاء بليغين به، بحيث تصبح الكتابة الروائية عند نجيب محفوظ بمنزلة المرجع والنموذج بالنسبة للسارد ـ الكاتب الضمني في رواية (المصري)، هذا الذي ما فتىء يعترف بامتلاك نجيب محفوظ لكفاءة ومقدرة في الكتابة بتلك الطريقة عن مدينة (القاهرة)، وحاراتها وأزقتها ومقاهيها وشخصياتها وخباياها وأسرارها.
وبمثل هذا الاحتفال أيضاً بالمكان، جاءت الرواية الثانية "باريو مالقه"، محملة به، وبهواجسه كذلك، كتلك التي رافقت السارد أحمد الساحلي في الرواية الأولى، على اعتبار أن رواية "باريو مالقه" تكمل بناء مشروع الكتابة عن ذلك المكان الذي كان، أيام فترة الحماية الأجنبية وبعدها بقليل، مستوحية في ذلك حالات الرعب التي تجتاح حارة شعبية في الضاحية الغربية لمدينة الكاتب (تطوان)، بما يكتنفها من أوضاع اجتماعية قاسية، ومن لحظات ومشاهد، يتداخل في تشكلها الحب وصعوبة العيش، والمآسي التي طالت ساكنة تلك الحارة الشعبية وشخوصها، بشكل يقول معه بهاء طاهر، واصفاً شعوره إزاء هذه الرواية، بأنه أمام عمل ملحمي كبير.ـ
[صدمة العودة الى المنبع
في الرواية الأولى "مصابيح مطفأة" (مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2004) لأحمد الكبيري، القادم الى الرواية من محاولات شعرية، ومن دراسة القانون والعمل بمجال الاتصالات، نتتبع تفاصيل حكاية عودة مهزومة للسارد من فرنسا الى مدينة (وزان) الواقعة بالأطراف، مسقط رأس السارد ومدينة طفولته وأحلامه المتشظية، وذلك بعد حياة امتدت لخمسة عشرة سنة بفرنسا، وبعد تجربة فاشلة في الزواج هناك من "إيزابيل"، حيث يتناسل الحكي، بعد ذلك، حول رحلة عودة مضادة الى المنبع، وقد غدا فضاء غريباً عنه، بعد كل ما تعرضت له معالمه وأمكنته من انطفاء، وما طال شخوصه من تهميش وإقصاء. وهي أيضاً عودة الى الذات، عبر الغوص في تفاصيل الذكريات وعالم الطفولة والأحلام الجميلة، مروراً بعدد من الأمكنة التي عبرها السارد، في طريق عودته الى مدينته، باعتبارها أمكنة تعكس جوانب من التحولات والتناقضات والسلوكات والظواهر الطارئة في مجتمعنا اليوم: المخدرات، البطالة، الدعارة، الجنون، الانحراف، التمزق، غير أنها عودة أيضاً لاكتشاف زمن جديد، ومكان متحول في الذاكرة، بتفاصيله وجزئياته الدقيقة، ولاكتشاف حياة رتيبة، يعشش فيها البؤس والفقر والجهل والحرمان والعبث، الى حد الجريمة والموت والشعور بتوقف نبض الحياة، وبصدمة العودة، ومعها صدمة الواقع الجديد.
وهي الثيمة نفسها التي ستستعيدها رواية أحمد الكبيري الثانية "مقابر مشتعلة" (مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2007)، ثلاث سنوات بعد ذلك، باعتبارها امتداداً للرواية الأولى، من زاوية رؤية جديدة للواقع، هي أكثر اتساعاً من سابقتها، حيث تنفتح الرواية على عوالم أخرى "علاقة ساكنة مدينة وزان بالجالية اليهودية بالمدينة نفسها، واستعادة شخصية "إيزابيل"، وقضايا أخرى فرضتها المرحلة، كالإرهاب والأحداث الدامية التي عرفها مدينة الدار البيضاء عام 2006.
[القهر الاجتماعي والصراع من أجل البقاء
في رواية "سيرة للعتمة والجنون" لجلول قاسمي، نلج عالماً تخييلياً مغايراً لما اعتادته الرواية المغربية من قبل، من زاوية استيحائها لثيمة جديدة، يتعلق الأمر، هنا، برصد وضعية عمال المناجم في المغرب الشرقي، هنالك حيث تتواجد بعض مناجم الفحم الحجري والحديد، في صراعهم المرير، وفي نضالاتهم وإضرابهم، ضد أساليب الاستغلال التي يفرضها المسؤولون على المناجم، بما هو موضوع تلفقته أيضاً بعض النصوص الروائية الأولى لكتابها، من قبيل" روايات محمد بنعلي وسعدية اسلايلي، بالعربية (ورواية "تل الورق" لعلي تزلكاد، بالفرنسية، الفائزة بجائزة أطلس لعام 2007، التي تمنحها السفارة الفرنسية بالمغرب.
تستوحي رواية جلول قاسمي ثيمة القهر الاجتماعي، في تلويناتها المختلفة، وفي تمظهراتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وفي ارتباط حالاتها بمصير عمال منجم الفحم الحجري بمدينة) جرادة (وخصوصاً بعد إغلاق المنجم. ويتم التعبير عن ذلك بلغة سوداوية قاتمة، وبتقنيات سردية متنوعة، تعتمد التوثيق والوصف والتصوير والسخرية، بغاية تصوير ما يتعرض له عمال المنجم من أنواع المعاناة وشظف العيش، أمام الضغط النفسي والجسدي الذي يمارسه المكان على الإنسان في الرواية، وأمام قسوة الفقر وشدة البؤس وانسداد الآفاق.. وهي أيضاً الثيمة التي شكلت موضوع رواية قاسمي الثانية "سوانح الصمت والسراب"، في رصدها لموضوع "البطالة" المفضية الى الهجرة السرية، والتي تدفع بالشخوص الى الهروب من حالات الضياع والحزن والعجز والقهر والتهميش والخيبة، ومن فقر المكان وفقره، ومن قساوة الطبيعة، نحو البحث عن كينونة جديدة وأوهام وأحلام مؤجلة، لتنتهي رحلة العذاب بين ايي سماسرة السراب، فالاعتقال، ثم المحاكمة. ويتم التبعير عن ذلك، في هذه الرواية، باسلوب، يتداخل فيه ما هو واقعي بما هو حلمي، وما هو فانتاستيكي بما هو ساخر ومفارق، بغاية نقد الواقع والسخرية من الحياة ومن عبثيتها.
من بين الأصوات الروائيةالنسائية الجديدة التي شدت اليها الأنظار في الآونة الأخيرة بالمغرب، الشاعرة فاتحة مرشيد، في روايتها الأولى "لحظات لا غير" (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت 2006)، كما صدرت لها عن المركز نفسه روايتها الثانية "مخالب المتعة" عام 2008، هي القادمة الى الرواية من الشعر، ولها فيه بعض المجموعات الشعرية الناجحة، ومن الطب ايضاً، حيث تعمل طبيبة اطفال بمدينة الدار البيضاء.
تحكي رواية "لحظات لا غير"، عبر لحظات متعة واسترخاء، حكاية مريض (الشاعر وحيد الكامل) وطبيبة نفسانية (أسماء غريب)، بما يحف هذه الحكاية من ابعاد انسانية، في سبرها لأغوار النفس البشرية، من خلال حكاية شخصية وحيد الكامل، الذي يعاني الاكتئاب ويحاول الانتحار، ليجد نفسه أمام رحلة بحث عن ذاته، التي سيعثر عليها في كتابة الشعر، بعد تجارب فاشلة في الحب والجنس والزواج، حيث تمكنت طبيبته (الدكتورة اسماء) من اعادته الى توازنه النفسي، والى عالم الكتابة، ومن ثم الى عمق الحياة، وقد أدرك كل واحد منهما معنى الحياة، ومعنى الحب، بعد ان وقعا معاً في حب كليهما للآخر، كما وقعا في شباكه، وقد استعادا معا روحيهما واشتبكا بحقيقتهما، عبر اللوجوء الى الكتابة والاحتماء بالحلم، وعبر تحقق الامتلاء العاطفي والجنسي.
وتشكل "الكتابة" ايضا في هذه الرواية مدخلا اساسيا لكلتا الشخصيتين للارتواء، وصوغ الأسئلة والأجوبة المحرمة، ومعانقة الحياة، والتحليق في سماوات الحرية والمتعة واللذة ومقاومة الموت، وقد ظهرت كل واحدة من هاتين الشخصيتين، في الأخير، في وضعية تصالح مع جسدها..
[الاعتقال السياسي
ارتبطت مجموعة كبيرة من النصوص الروائية الأولى لأصحابها بكتابة الاعتقال السياسي، سواء من خلال بعض التجارب الذاتية والمباشرة، السابقة، مع الاعتقال والسجن، في اطار كتابة السيرة السجنية بشكل خاص، او عبر تجارب غيرية، ساهمت المرأة الكاتبة ـ الى جانب الرجل ـ في استيحائها روائياً وتخييلياً وشعرياً، من خلال ولوج واستنكاه عوالم الاعتقال السياسي والسجن والتعذيب والمعاناة، وهي نصوص ل: فاطنة اليه وحليمة زين العابدين وخديجة مروازي وزهرة رميج...
وتعتبر الرواية الأولى "أخاديد الأسوار" (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت 2007) للقاصة زهرة رميح واحدة من تلك الروايات النسائية التي استوحت التجربة السجينة، عبر اختيارها موضوع "الاعتقال السياسي" منطلقا لها في كتابة الرواية، بعد تجربة ناضجة وممتدة مع الترجمة، وكتابة القصة القصيرة، من خلال مجموعتين قصصيتين، لفتتا اليهما الأنظار بمجرد صدورهما.
واذا كان موضوع "الاعتقال السياسي" اليوم، يشكل ثيمة مهيمنة وبؤرية في عدد وافر من النصوص الروائية والسيرذاتية، والحوارات والشهادات والمذكرات واليوميات، الصادرة في المغرب، وخارجه، فيبدو هذا الموضوع في رواية زهرة رميح متشظيا، في تشابكه وتداخله مع ثيمات وأحداث وفضاءات ووقائع اخرى موازية، تاريخية واجتماعية وسياسية وثقافية، وفي تلونه بسجلات وخطابات وأجناس تعبيرية صغرى متخللة، ولمحات شعرية جذابة، وهو ما يجعل من هذه الرواية مجالاً حكائياً خصبا لتجسيد جانب من الصراع الذاتي والنفسي مع الماضي، والصراع بين الحياة والموت، عبر استعادة الساردة ـ الشخصية الرئيسة لملامح من ذلك الماضي، في صورة جرح لم يندمل، وفي صورة أحداث ووقائع مرت، وأيضا في صورة زوجها المعتقل السياسي المتوفى، بشكل تبدو معه هذه الرواية على قدر وافر من النضج والجمالية.
بالرغم من الموقع الخاص الذي تحتله (الصحراء) في حضارة المغرب وتاريخه وجغرافية، وفي قضيته السياسية، فان استيحاءها روائياً، وكتابتها تخييليا، لم يحظ بعد بالنصيب المرتجى من الاهتمام والرصد اللازمين، وان اهتم احد الروائيين لاأوربيين (لوكليزيو)، الى جانب احد الروائيين المغاربة الذي يكتب بالفرنسية (موحى سواك)، باستيحاء "الصحراء"، وتمثلها في بعض نصوصهما الروائية.
وبالامكان اعتبار رواية "بدو على الحافة" للروائي الشاب عبد العزيز الراشدي (الصادرة عن دائرة الاعلام والثقافة بالشارقة عام 2006، والحائزة على جائزة الابداع بالشارقة، دورة 2005) ربما اول نص روائي كتبه مغربي بالعربية، مستوحيا فيه "الصحراء"، باعتبارها ثيمة مهمينة، كما هو الحال في مجموعتيه القصصيتين: "طفولة ضفدع" و"زقاق الموتى".
تستوحي رواية "بدو على الحافة" عالم قرية بالصحراء في الجنوب الشرقي بالمغرب، وحياة سكانها من البدو وصراعاتهم، وتحكي عن أوهام غرباء جاءوا الى القرية بحثا عن كنز، كما تتخذ من سؤال الكتابة ايضا (كتابة الرواية)، ومن تناسل الحكايات وتداخلها في الرواية، ومن تكثيف السرد وتقطيره، ومن تلوين شخصية السارد وتنويع حضوره في الرواية، ومن شعرنة اللغة، مجالا تخييليا خصبا للتعبير عن لحظات انسانية عميقة، تقع على تخوم الواقع والخيال والحلم، بشكل يبدو فيه تأثر الكاتب جليا بعوالم الف ليلة وليلة والسير الشعبية والرواية الامريكولاتينية..
[محاولة في التركيب
على هذا النحو، اذن، يكشف لنا المتن الروائي المغربي الجديد، في نصوصه المحدودة التي توقفنا عندها في هذه القراءة السريعة، عن جانب لافت من الثراء التخييلي والتعبيري على مستوى الخصائص الكتابية المميزة لمجموعة من الأصوات الروائية الجديدة التي ظهرت في المغرب، في السنوات الأخيرة، وعن بعض مكونات نصوصها الروائية، وثيماتها واسئلتها وقضاياها التي تمثلتها تلك النصوص، بأشكال ومستويات تعبيرية، متباينة من نص لآخر، وان كانت تلك النصوص احيانا تلتقي عند استعاجتها لبعض الثيمات والعناصر الروائية، في مكرورية طرحها، كتوتر العلاقة بين المرأة والرجل، وفشل تجارب الحب والجنس او توقفها، أمام تسارع ايقاع الحياة وتعقدها. ويتم توظيف ذلك واستثماره روائياً، انطلاقا من موهبة وكفاءة روائية لافتة لدى هذه الأصوات الروائية الجديدة، وانطلاقاً من حس وعمق جمالي مكثف ومتطور في نصوصها، وقد اخترقت دائرة المراكز لتحتفي بالهوامش وتفاصيل شخوصها.
ومن بين اهم الخصائص المميزة ايضا لنصوص بعض هذه الأصوات الجديدة، اهتمامها المتزايد باستعادة مكون الحكاية لروحه، ولحضوره التخييلي، ولثيماته الروائية، في تعدد ابعادها وتغير دلالاتها وتنوع أساليب التعبير عنها، وفي دقة تفاصيلها وتشابك صورها وتقنياتها، وفي امتداد نفسها الروائي، دون ان تتاثر هذه الأصوات الروائية الجديدة بمسألة قصر النفس الذي يؤطر كتاباتها القصصية، والتي كان بعض هؤلاء القاصين والقاصات يمارسون كتابتها ـ وما زالوا يضيفون الى تراكمها المتنامي ـ قبل ان يجذبهم سحر الرواية، وما زالوا يضيفون الى تراكمها المتنامي. ولا غرابة في ذلك، ما دامت مجموعة من هذه النصوص الروائية الجديدة، وقد بدت اليوم متجاوزة لهشاشة التجربة التي تطبع نصوصا روائية اخرى محايثة لها، كان بعضها في العمق يحاور مرجعيات روائية "كلاسيكية" في بعدها التداولي الكوني، وفي اكتمالها، وايضا في امتداد تاثيرها في الأجيال المتعاقبة، هنا أو هناك، وفي نصوصها الجديدة، مما يجعل منها اليوم نصوصاً مفتوحة على العالم، وعلى مواكبة تحولاته المتسارعة...

() باحث مغربي.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | بيئة | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005