الاربعاء 8 أيلول 2010

ص21ص20

هشاشة الحداثة في ثقافتنا المعاصرة


حكايات شهرزادية


كارلوس شاعراً


المجتمعات التغييرية والإسلام



حكايات شهرزادية

المستقبل - السبت 21 شباط 2004 - العدد 1528 - ثقافة و فنون - صفحة 20


أحمد عمر

خمس شخصيات، خمسة أصدقاء، من جيل واحد يتبادلون السرد والبوح. بهاء صافي المفلس الذي يعيش على عمل خياله وعلى المداهنة، يقترح عليه حليم الإقامة في دارة نسيبته العجوز الثرية مقابل مجالستها والإنصات الى ثرثرة ذكرياتها فيقع في فخها لتأسره بأسرارها (من دون أن تأسر القارئ). ونجلاء صبري زوجة مازن، الأستاذة الجامعية، الناطقة بلسان تحرر المرأة وحقوقها (يشبّهها مازن بسيمون دي بوفوار) والداخلة في صراع مع زوجها مازن بسبب خيانة جنسية عابرة مع سامية مدّور ومن ثم طلاقهما لرفضه الإنجاب. السارد الثالث هو حليم، تاجر الكتب وهاوي ركوب الخيل الذي يعمل مثل أب كنسي يتلقى اعترافات الأصدقاء فيحمل همومهم ويكتم أسرارهم ويحل مشاكلهم. السارد الرابع غدير الرسامة التي تنفرد بمسار خاص مستقل، والسارد الخامس مازن زوج نجلاء المحامي اللامع (الفحل) صائد النساء. الذي يصل الى حكمة ان (الرجل يعشق امرأة واحدة ويحب الكثيرات) فهو يخطط للإيقاع بموكلته ميساء بعد سامية صديقة نجلاء؟
اختارت الكاتبة هنرييت عبودي، وهي روايتها الثانية بعد (الظهر العاري)، تقنية تعدد الأصوات المعروفة، ولهذه التقنية مناقب ومثالب. الرواية بضمير المتكلم، تساعد على مدّ الشخصيات بالحرارة وبأدوات التقمص اللازمة لنبش الذات وكشف خباياها النفسية، وإقناع القارئ، يريح الروائي من ازدحام الأحداث والشخصيات.. لكنه من جهة أخرى، محفوف بمخاطر عدم إشباع الشخصيات، كما يحدث في هذه الخماسية التي تتجه باتجاهات وتتبعثر الى غير بؤرة، كما أنها تحدث فصلاً شكلياً وبنيوياً في السرد بعامة... فثمت شخصيات تبدو تزيينية، وجودها إضافي ونافل مثل حليم، وحتى مازن وبهاء، الذين يقصر وجودهم على خدمة الشخصيات الأخرى لا الإفصاح عن شخصياتهم، أو لسرد قصص الآخرين أو لمحاولة تعديل التقاطب وكفتي الصراع شكلياً. لا رابط كبير بين الشخصيات الخمس، لا كما في رجال تحت الشمس لغسان كنفاني على سبيل المثال.
يمكن فكفكة الرواية الى ثلاثة مسارات شهرزادية: قصة نجلاء وحكايتها مع زوجها مازن وصراعها النفسي بين زواجها وكرامتها، وهي الأكثر حرارة.
والثاني مسار حكاية غدير (شهرزاد الثانية) مع الوجه الذي رسمته وراحت تبحث عنه (شطري الثاني الذي من دونه لا يكتمل لي كيان) فتقع على قصة متراكبة، متصاعدة، تتناسخ فيها الشخصيات (غدير، علياء، آمال، لينا) وهو سيشكل على القارئ، لصعوبة تمييزها عن بعضها البعض. حكاية غدير مع الصورة تستحق أن تكون نواة لرواية مستقلة، ولا تخلو من الحركة والعقدة (والاكشن). في كل اعتراف لها، تكشف عن حلقة جديدة في السلسلة حتى تعثر غدير على صاحبة الصورة. بداية تنشر إعلاناً مغرياً لكل من يشبه الصور. فتبلغها إحدى المتصلات بأن فنانة اسمها لمياء قد رسمتها قبل نصف قرن وتستدل على بيتها فتتعرف على سمير ابن شقيقها، ومن ثم على صديقة الرسامة خالدة حلمي فتعرف أن اسم صاحبة الصورة هو علياء شافعي، يحل بالسيدة خالدة تعب فتؤجل متابعة الحكاية الى فصل آخر، (على طريقة ألف ليلة وليلة في السكوت عن الكلام المباح) عاشق لينا الشافعي ابنة علياء الشافعي، أو أمال الشافعي، ثلاث أسماء لشخصيات متشابهة، الإعلان يدفع العاشق الأول لصاحبة الصورة (أدهم مالك) الى الظهور والى سرقة اللوحة مرة ثانية دون أن يثير حفيظة غدير التي تشعر بارتياح لسرقتها، في قعوسها عن التبليغ عن السرقة تقوم بعقد قران رمزي بين عاشق وحبيبته المرحومة.
حكايات العجوز (الشهزاد الرئيسة والتي تروي حكايات عائلتها وأصدقائها). تروي رزمة من الحكايات المستقلة، عن عائلتها وحكايات شخوصها، لكن الحكايات تتراجع الى الصف ثانية، من حيث ثانويتها وكثرتها، فهي إخبارية، كل قصة لا تحتل أكثر من صفحة وموزعة على الفصول وهو ما يحاول إيقاد التشويق فيها، فبهاء الذي يتحول من (أذن) مقابل أجر، هو سكنه المجاني، لا كما هو الحال عند حليم الأذن (المتطوعة بلا أجر) الى ما يشبه المحقق البوليسي الواقع في شراك صور تذكارية، فمن خلال الصور التذكارية التي تعرضها لعجوز يبدأ استرداد سير أفراد أسرة العجوز وتصحيحها بما يشبه قانون الجرح والتعديل الفقهي. يرتاب بهاء في وجه ممحو (وجه حنين) من إحدى الصور. تزعم العجوز أن أبوها، محاه لانحراف سلوكه (قيامه التهريب). ويستنتج بهاء أن سبباً آخر وراء المحو، فالتهريب ليس بالجرم الكبير في العصر العثماني، ويضع هذا الاحتمال: لابد أن الأب اكتشف ان حنين يخونه مع زوجته؟.. ويعتقد بهاء أنه والد العجوز الراوية لقرب الشبه بينهما، فتضحك من خيالاته من دون أن تنفي أو تجيب. الحكاية الثانية حكاية عفيفة ابنة خالة العجوز التي هاجرت الي أميركا عروساً وعادت بعد سنتين، الى منصور حبها الأول وله حكاية أخرى، فقد دفع مالاً مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية وتزوج ابنة عمه غير الجميلة والثرية، يفتتن بحبيبته القديمة العائدة من نيويورك بشعر قصير وسلوكيات جديدة مبهرة فتحمل منه، وتنتحر لرفضه تحمّل مسؤولياته. القصة الثالثة هي قصة جميل غانم الذي يعتقله العثمانيون لابتزازه مالياً ويشك بهاء أيضاً في وجود جريمة في موت ابنه مجيد على يد، ابن عمه داود، غريمه في حب وردة الحسن. حكاية كريمة العديمة الحظ أو (لوحة) كريمة فبهجة حياتها اقتصرت على موقف وحيد، يتلخص في دعوتها الى الرقص في حفلة من قبل الثري جميل غانم ونثره خمس ليرات ذهبية إكراماً لها.
وحكاية خليل، ابن خالة العجوز، الذي يتزوج من قريبة يتيمة حتى يحصل على عفو من الجندية العثمانية، بحسب قوانين تلك الأيام، ومن ثم سفره الى مصر وغيابه بضع سنوات ليعود الى زوجته اليتمية التي لم تكبر، تكشف العجوز أنها كانت تحب خليلا وإنها تواطأت معه على الهرب الى مصر من دون نجاح. وحكاية مريانا حداد صديقة العجوز السابقة. المرأة الخارقة الحسناء التي شغلت الناس بقصصها والتي فضلت غالب الشجاع القبيح على ابن عمها شفيق الذي جبن عن اقتحام المقبرة ليلاً، حكاية زواج العجوز من راضي أفندي هي الأخيرة التي ترويها لبهاء، أعجب بها راضي في حفلة وقبلها أمام الناس علانية من دون وجل أو خجل، فعفا الأب عن وقاحته بعد إعلانه عن حبه لها وتقدمه لخطبتها.

الكتاب: خماسية الأحياء والأموات (رواية)
المؤلفة: هنرييت عبودي
الناشر: دار المدى/ دمشق

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | تحقيقات و مناطق | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005