السبت 11 أيلول 2010

ص21ص20

هشاشة الحداثة في ثقافتنا المعاصرة


حكايات شهرزادية


كارلوس شاعراً


المجتمعات التغييرية والإسلام



هشاشة الحداثة في ثقافتنا المعاصرة

المستقبل - السبت 21 شباط 2004 - العدد 1528 - ثقافة و فنون - صفحة 20


ياسين رفاعية

يتجه الكاتب المغربي د. كمال عبد اللطيف، في كتابه: "أسئلة النهضة العربية ـ التاريخ الحداثة، التواصل" الى طرح أسئلة تشغل بال المثقف العربي في كل مكان. ويجعل من مجموعة آراء تتناول الفكر العربي المعاصر منطلقاً لكتابه الجدي والمكتوب بوعي مثقف يناقش الاحباطات والمشاكل والهموم التي تشغل بال المثقف العربي، من مختلف الوجوه وهو يعتبر ان مشروع النهضة ما زال قائماً في لحظتنا التاريخية الراهنة. لكن المجموعة العربية لم تستطع خلال قرن من الزمان بلوغ المرامي التي حددتها على المستويات كافة. مؤكداً: ان ما أشبه نهاية القرن التاسع عشر بنهايات القرن العشرين. ويدعو مجدداً الى فعل التفكير في مشروع النهوض القومي في مستوياته الفكرية والسياسية ما تحقق منه وما لم يتحقق. ان تحقيق النهضة التاريخية العربية بكل المقاييس هي ثورة فعلية على الكثير من مظاهر تأخرنا، وإن استمرار تعثرنا بل واستمرار تراجعنا يسمح لنا بإعادة التفكير في الأخطاء والصعوبات بمنطق التاريخ، حيث ينبغي بلورة الأهداف بوضوح وبكثير من الحس النقدي. لقد عملت النخب بهاجس الإصلاح دون توقف ورُكِّبت اسئلة النهضة في فكرنا العربي في جملة المفاهيم والمعادلات النظرية الرامية الى انجاز ما يساعد على الإمساك بمعضلات الواقع العربي، بهدف تعقلها وبناء التصورات المطابقة لمقتضياتها، ولمتطلبات الطموح النهضوي المتمثل في الاستقلال والوحدة والتقدم.
وينطلق المؤلف ـ ككاتب مغربي ـ الى الحديث عن مخاضات الروح النقدية في الفكر المغاربي، مشيراً الى اسماء مجموعة من المفكرين والفلاسفة والتيارات الفكرية كعلامات دالة على بناء وتركيب المشروع النقدي المميز لهذا الفكر، في تجلياته النظرية والتاريخية. وهذه الروح النقدية تعبر عن حصول ثورة ثقافية في هذا ا لفكر. فقد بلورت الاعمال الفكرية جهداً في النظر والبحث، تخطى عتبات الفكر التقليدي وأنظمة الفكر الاسلامي، كما تشكلت وتصلبت في عصورنا الوسطى.
ويتصور الكاتب ان بعض جهود الفكر المغاربي المعاصر انخرطت في إسناد مشروع النقد وروح النقد في ثقافتنا بطرق واساليب محددة. وقد تجلت عمليات الإسناد أولاً في مباشرة تعلم لغة النقد ولغة الفكر المحتضن لآليات النظر النقدي ثم مباشرة التفكير بعد ذلك في اسئلة الحاضر والماضي، بأساليب الفكر النقدي وقيمه المنهجية والنظرية الكبرى، وهي قيم لا يفترض المفكرون المنخرطون في عملية الانجاز أنها ملك لثقافة معينة أو تاريخ معين.
إرتكاز
ويشير الكاتب بكثير من الاحترام الى كتابات عبد الله العروي ومحمد اركون وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري على سبيل التمثيل لا الحصر، اذ ان نصوص هؤلاء تشكل نقط ارتكاز نظرية قوية في فضاء الفكر المغاربي. اذ تميز هؤلاء بانخراطهم في اعادة تركيب اسئلة ومفاهيم الروح النقدية في الفكر المغاربي. ان عينة الفكر المدروس اقرب الى الفكر الفلسفي التاريخي من باقي مجالات النظر الأخرى الحاصلة في الثقافة المغاربية المعاصرة. وهي تستعمل التاريخ ولغات التاريخ، كما تستعمل مفاهيم الفلسفة الحديثة والمعاصرة كوسائل مساعدة متوخية بلورة اسئلة الحاضر العربي المغاربي في أبعاده المختلفة.
والعرب في مواجهة واقع التأخر التاريخي يرى الكاتب: إن الحديث عن المشروع الحضاري العربي في ظل استمرار التأخر التاريخي العربي بمعناه الشامل، وربطه بظاهرة العولمة في ابعادها الفكرية القوية في مجالات الاقتصاد والاعلام والثقافة بواسطة فعل المواجهة، يعطي الانطباع بأننا أمام موضوع عام، إن لم نقل امام مجرد طموح أقرب الى الطوباوية. وان مقاربته في غياب المؤشرات التي تفيد امكان حصوله، تقتضي كثيراً من التمحيص المساعد في ادراك أفضل لمخاطر وصعوبات المواجهات، في زمن لم يعد يجادل فيه أحد في أهمية البناء الذاتي للمستقبل، وذلك على الرغم من الجدل الايديولوجي القوي القائم في موضوعي "نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات".
(..) ان المشروع الحضاري العربي، هو مشروع التوحيد القومي والنهوض العربي المأمول، يتخلى عن صيغته الجديدة في الأفق السياسي المباشر، ليتجه صوب أفق أرحب وأوسع، أفق التفكير في المستقبل في مختلف ابعاده. وذلك انطلاقاً من الأسئلة الكبرى التي ارتبطت في مجال الفكر العربي المعاصر بسؤال النهضة العربية وأسئلة التحرر العربي. وهو مشروع يعكس صوراً من الصراع كما يعكس مختلف اشكال التمزق الذي عرفته الذات العربية في تجلياتها المتعددة.. وذلك بهدف المساهمة في الحضارة المعاصرة بما بعيد للذات ذاتها مجدداً، حيث لا تعود الذات كما كانت، بل تضيف الى ما كانت عليه عناصر جديدة.
مرجعيات
أما في التجدد الحضاري فيشير الكاتب الى أنه لا يمكن التفكير في مشروع النهوض الحضاري العربي دون استدعاء مرجعيات نظرية تاريخية محددة، قصد بناء المعطيات والعناصر. اذ يمكن العودة على سبيل المثال الى النموذج التاريخي الحضاري الغربي. وهو النموذج الذي تقدم معطياته اليوم الاطار العام لما تواضعنا على تسميته "الحضارة المعاصرة" وهي مرجعيات فكرية فلسفية عامة موصولة بالثورات المعرفية والسياسية. صحيح ان مشكلات الواقع العربي عديدة ومزمنة، وان ضغوط الآخر الذي ما فتئ يؤسس ويعيد تأسيس مقومات مشروعه الحضاري تضيف الى ضغوط الصراعات الداخلية الكبيرة والمعقدة، عوائق جديدة. الا ان تأملاً هادئاً وعقلانياً في مسار تطور الواقع العربي والفكر العربي، ومشروع النهوض العربي، يجعلنا نتأكد من وجود متغيرات مهمة لا نلتفت اليها كثيراً، ولا نثمنها بما يكفي من الحس التاريخي.. فهل نستطيع انكار التحولات التي تبلورت في الفكر المعاصر في علاقاته بنموذج الفكر الغربي الحديث والمعاصر؟
وعن المثاقفة العربية الاسلامية يؤكد الكاتب: ان فعل المثاقفة يعني مجرد الاستعارة والفسخ وبناء الأشباه والنظائر. ان فعل المثقافة يندرج ضمن افعال الابداع وصيغه المتعددة كما حصلت وتحصل في التاريخ. وغالياً ما تكون المثاقفة فعلاً إبداعياً يروم اعادة التأسيس. او فعلاً تأويلياً يتوخى تكييف المعطيات المرجعية المستمدة من الثقافات الأخرى في المكونات الثقافية المحلية، وفي الحالتين يتضمن الفعل الثقافي والمنتوج الثقافي جهداً في النظر، يقوم على الترجمة والتأويل واعادة التركيب. بكل ما تحمله هذه المفاهيم والعمليات من دلالات تقر بمبدأ التفاعل ايجاباً وسلباً وبصورة تاريخية. في هذا السياق فإن النظام النظري هو الذي يحدد رؤية عامة للعالم، ويمنح كل ثقافة سماتها ومقومات تجددها وتطورها، وذلك من اجل ابراز ملامح التحول والتطور الحاصلة في بنية هذه الثقافة. وبحكم التفاعل التاريخي الحاصل بين العالم العربي الاسلامي وبين العالم الأوروبي وبخاصة في زمن المد الامبريالي، زمن استعمار الدول الأوروبية للعالم العربي الاسلامي، في كل من افريقيا وآسيا. وبعد مرور ما يقرب من مئتي سنة على انخراط الثقافة العربية الاسلامية في عملية تملّك مقدمات واصول الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة، ومساهمة اجيال من المثقفين والباحثين العرب في تطوير الرصيد الثقافي العربي وتطوير المرجعيات المتحكمة في نمط الانتاج الثقافي، باضافة المعطيات الجديدة التي تمثلها المرجعية الثقافية الغربية المعاصرة، لم يعد بامكاننا ان نتنكر اليوم لمكاسب ومنجزات هذه الثقافة، وللأدوار التي قامت بها في مجال تطوير فكرنا المعاصر على الرغم من كل مظاهر العنف التي واكبت عملية الانتقال وعمليات التمثل والاستيعاب.
وينبغي ان لا ننسى هنا الاشارة الى انه بموازاة عملية استيعاب الثقافة العربية الاسلامية لمرجعيات الفكر الغربي الحديث والمعاصر، جرت عمليات استيعاب واستنبات أخرى مرتبطة بالمظاهر المادية المتمثلة في الجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتقني، حيث نقف أيضاً على مظاهر متعددة من عمليات التحول المعززة لخيارات الفكر السياسي والاقتصادي، بهدف المساهمة في تطوير الواقع العربي في مختلف ابعاده. ومعنى هذا أن زمن التغريب الأوروبي ساهم في زحزحة وتكسير كثير من المرجعيات التقليدية المؤطرة لمظاهر وجودنا المختلفة.
وهنا نغامر في القول بأن عمليات نقل واستعارة المعطيات المادية والتقنية تمت انطلاقاً من التمييز الذي يقر بالطابع الأداتي للتقنية والتقنيات. متناسياً الروح الثقافية الكامنة وراء مختلف مظاهر الحياة المادية ووراء أدواتها وتقنياتها المتعددة، وهو الأمر الذي يعكس هشاشة المنظومة الحداثية في ثقافتنا المعاصرة.
ولا يختلف اثنان في التحول النوعي الذي عرفته الثقافة العربية الاسلامية المعاصرة من محمد عبده إلى محمد عابد الجابري. ومن فرح انطون إلى عبدالله العروي. ومن علي عبد الرازق إلى محمد أركون، بل إن قيمة هذا التحول تزداد وتتضاعف عندما نلاحظ أن المسافة الزمنية بين انتاج الإسمين الأول والثاني في ازواج اسماء المفكرين الذين ذكرنا على سبيل المثال، تقترب من القرن ولا تقل عن ستة عقود من الزمان في أزواج الأسماء الأخرى الواردة في هذا المثل ادركنا المهمة التي حصلت في المشروع الثقافي الإسلامي المعاصر و أدركنا في الآن نفسه نوعية المخاضات والتناقضات ومختلف أشكال التوتر التي لا تزال قائمة في هذا المشروع.

الكتاب: أسئلة النهضة العربية
التاريخ، الحداثة، التواصل
المؤلف: د. كمال عبد اللطيف
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2003

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | تحقيقات و مناطق | مخافر و محاكم | بزنس | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005