14-04-2013
21-04-2013
28-04-2013
05-05-2013
12-05-2013
19-05-2013
19-05-2013م
قصائد بوذية حديثة لشاعرتين من تايلندا:
أترك الفراشة قبل أن ترى حتى ألوانها
«صائد اليرقات» لأمير تاج السر
موت الرواية المعلبة
المستقبل - الأحد 25 آذار 2012 - العدد 4295 - نوافذ - صفحة 14
ترجمة وتقديم فوزي محيدلي
ضمن ما يسمى بتقليد الثيرافادين التايلندي، نادراً ما تحمل المرأة مرتبة عالية، كما لا تتمتع بسلطة في تعليم الفلسفة البوذية، دارما. ضمن مملكة الشعر التعليمي يعتبر الشعراء الرهبان؛ والشعراء الذكور هم المعيار. في محاولة لشرح تحول الشعر التايلندي البوذي على يد نساء شاعرات، سنتاول كل من تشومشاند في ديوانها «الفجر من رحم الليل» والشاعرة التايلندية الأخرى كانينغ تشامنوغسري راتنين في ديوانها «تحت المطر والرعد».تحمل هاتان الشاعرتان تعاليم البوذية عبر التعبير جمالياً عن تجربة كل منهما الشخصية في ممارسة البوذية. وتالياً فإنهما لم تعودا تمارسان التوجه إلى جمهور محدود من البوذيين بل تتحدثان إلى جمهور اوسع وتنشران البوذية ليس كديانة بل كرسالة حكمة إلى كل الجنس البشري.تأثير البوذية في الشعر التايلندي المعاصرالبوذية منتشرة في عدد كبير من الأعمال لشعراء تايلنديين معاصرين. يتأثر هؤلاء الشعراء بتعاليم الراهب بوذا داسا (1906 1993) الذي شدد على ممارسة البوذية في الحياة اليومية، وشجع، بل حبّذ تأمل الطبيعة كوسيلة للنمو الروحي.يمكن ضم الشاعرتين تشومشاند وتشامنوغسري راتين إلى هذه الفئة. ولقد مارست كل منهما شعائر البوذية في دير شهير لاتباع بوذا داسا في جنوب تايلند.مهما يكن، تعتبر هاتان الشاعرتان مختلفتين عن الشعراء المعاصرين لكونهما لا تكتبان الشعر الوعظي بشكل متعمد. تشومشاند إلى جانب كونها شاعرة، هي ناقدة أدبية شهيرة، وروائية معروفة. اما تشامنوغسري راتنين فهي مترجمة وكاتبة مسرحية إلى نظمها الشعر.كلتاهما شاعرتان معاصرتان تكتبان «لحمل» بل لايصال افكارهما ومشاعرهما، وتجاربهما. مع أن رسالتهما هي رسالة الفلسفة البوذية، الا انهما لا تحاولان بشكل أساسي، اتباع تقليد الشعر البوذي الخاص بالماضي، يميل معظم الشعر البوذي التايلاندي لنظم شعر يقص حكايات «جاكاتا» بهدف التعبير عن ايمانهم ببوذا وابداء هدفهم الأهم بمراكمة الفضائل عبر نشر الدارما او «الفلسفة البوذية لإفادة كل مخلوف حساس.تحاول هاتان الشاعرتان اشراك الآخرين بتجربة كل منهما فيما خص دراسة البوذية وممارستهاز انهما تعمدان على الأغلب إلى ايصال مشاعرهما وتأملهما بالاعتماد على طبيعة العقل وكيفية تطوير الوعي المؤدي بالنهاية إلى الحكمة.تحويل في الحكمة: ممارسة «الدارما» لكل شخص يتبين من خلال تحليل قصائد تشومشاند وتشامنونغسري راتنين انهما تكتبان نموذجاً حديثاً في الشعر الوعظي او التوجيهي مع التشديد على ممارسة الوعي عبر التأمل.الواضح أن الدارما، الفلسفة البوذية التي تحاولان ايصالها بعيدة عن أن تكون «جديدة» أو «حديثة» مع ذلك فان مقاربتهما «للتعاليم» جذابة ومختلفة تماماً عما لدى شعراء الماضي.في الماضي مال الشعراء عادة إلى اختيار قصص من «الجاكاتاس» وعمدوا إلى سردها على انها حكايا وعظية في شكل شعري. اتت القصص في أغلب الأحيان مسلية لكن مع بروز قوي لاتجاهها الوعظي.كان يصار تقليدياً الى استخدام مفهوم «العدالة الشعرية» ويصار أيضاً الى تحديد الدرس الاخلاقي لكل قصة بشكل واضح، ومن هنا فانه عبر المغزى الأخلاقي للقصة يزداد ايمان القارئ او المستمع، «بالدارما« وبالمزايا الاخلاقية للبوديساتفا من خلال اعادة تنشيط ذلك الايمان.اما بخصوص شعر كل من تشومشاند وتشامنونغسري راتنين فانه يولد تأثيراً مختلفاً على عقل القارئ. أولاً، شعرهما لا يسعى إلى «الترفيه» ولا «الوعظ». قصائدهما اقرب الى ان تكون قصيرة وليس من اشتغال ظاهر على اسلوب العبارة الشعرية. تنتقي الشاعرتان مفردات بسيطة وتميلان إلى ايصال افكارهما ومشاعرهما بوضوح. تعمل البساطة والوضوح على تعزيز أهمية «الرسالة» لديها مما يساعد على التأكيد على الغاية الأسمى من وراء ممارسة «الدارما« كوسيلة لكنس المعاناة من الحياة اليومية.تشير الشاعرتان الى مشاكل «أساسية« من مثل الوحدة، الخوف. التعلق. الغضب، الكراهية، والشوق. انهما تحللان طبيعة وسبب كل من هذه المشاكل، وتنبئان القراء بامكانية حل المشاكل عبر الحكمة التي يرعاها صفاء العقل وهدوئه.يصار الى تلطيف النبرة الوعظية في قصائدهما من خلال كونهما تعملان على ايصال مشاعرهما بطريقة ودودة، مما يتيح للقارئ ان يتماهى مع الشاعرتين. هذه العلاقة الوثيقة تسمح للقارئ ان يفهم رسالة أي من الشاعرتين بسهولة. إلى ذلك، وبما ان الشاعرتين لا تلجآن البتة في استخدام مفردات بوذية محددة في قصائدهما فهذا يمكنهما من خلق ايحاء بل معنى «محايداً» لرسالتهما. ومع ان القراء قد لا يكونون بوذيين، الا انه بمقدورهم فهم النص بشكل جيد. وهذا ما يضفي مظهراً عالمياً على رسالة «الدارما« في القصائد. وهذا الاعلاء لقيمة ممارسة الدراية او الالمام بالرسالة يعكس موقفاً «حديثاً» تجاه الدين. وبطبيعة الحال للدين بالنسبة للعقل الحديث دور عملي وفعال في الحياة.انطلاقاً مما تقدم فان التشديد على قيمة الفلسفة البوذية في المساعدة على تقليل كل المعاناة التي يواجهها كل فرد في هذه الحياة الى التأكيد عليها. لا تحاول الشاعرتان اغراء الناس بتغيير ايمانهم بل جل ما تفعلانه هو اسداء نصيحة إلى كيفية حيازة الحكمة للتخلص من المعاناة في هذه الحياة الدنيا.بالنظر الى قصائد كل من تشومشاند وتشامنونغسري راتنين يغدو شعرها دليلاً مهماً، بل جذاباً، على تحول الشعر التايلاندي الوعظي: انهما تدلان القارئ على درب مباشر نحو الحكمة من خلال ممارسة جدية لدراية الرسالة إلى ذلك، كون الشاعرتين من ممارسات البوذية يساعد في ايصال نصيحتهما الى القارئ بطريقة فعالة، ولأن الشاعرتين امرأتان عاديتان (ليستا راهبتين بوذيتين) فانهما تنجحان في ايصال سهل للبوذية الى كل المهتمين بها.[قصائد من ديوان«الفجر من رحم الليل»القصائد المنتقاة تشكل تمثيلاً جيداً على شعر تشومشاند البوذي لأن محتواها يشير الى كيفية حيازة الحكمة عبر الممارسة الروحية لتأمل الحياة. يعتبر عنوان الديوان بمثابة استعادة لولادة الحكمة. «فالفجر» يشير الى النور او الحكمة فيما يشير الليل الى الظلام، او بمعنى بوذي الى الجهل. ولذا فان «الفجر في رحم الليل» يعني «ولادة الحكمة من رحم الجهل» . القصيدة الأولى «حمل النير» تفيد أن الشاعرة ترى الحياة «الدنيا» عبئاً من الصعب التخلص منه بسبب جهلنا فحسب.[حمل النيريا لثقل هذا النير!لم يعد بمقدور الكتفين حملهمن متى والأمر كذلك؟منذ زمن طويل بالنسبة لرجل سعيد!لم التذمر والشكوى؟لماذا الغضب من هذا «العالم البشع»؟لماذا الشكوى من «كرما» سيئة؟لماذا المعاناة بهذا القدر لزمن طويل؟أقدّم الاحترام إلى بوذاأرجوك خلصني من كل آلاميقاسيت آلاماً لا تعدّ ولا تحصىانها تحرق قلبي وتسلمني للموت!تبتسم صورة بوذا ثم تحدقما مقدار كوم المعاناة عندك؟كم عالماً تمتلك؟لماذا الشكوى، هوّن عليك!انزله عن ظهرك أيها الانسان القردبيدك انت، انزل النيرهو كله طوع سيطرتكالنير هو من اختيارك انت!فحوى القصيدة (الرسالة التي تريد الشاعرة ايصالها هي انه تبعاً للتعاليم الحقيقية لبوذا فإن معاناتنا (حمل النير) في الحياة هي نتيجة تعلقنا وولعنا. ولذا ذكرت بوذا ونصيحة «ترك» التعلق. كما وتشدد الشاعرة على قوة حكمة الشخص ليسيطر على حياته. ومن هنا فإن المعاناة هي «تحت سيطرتك» وحمل النير هو «خيارك الخاص». وتالياً فإن الشاعرة تحاول إيصال «تعاليم أعلى» للقارئ بدلاً من تعليم طالب البركة من بوذا وتعليم قبول «الكارما» السرّ الخاص بالماضي لأنه ليس له علاج، فان الدرب المباشر إلى الحلة بهدف التمتع بحياة أسعد هي بعدم التعلق بالدنيا. ومن هنا أهمية تأمل الذات كما تأمل الطبيعة).[أصوات الليلبسلاسة ونعومة يترّدد صدى الصوتالأوراق تغط في النوماسكت! أصغ إلى الأرضالبتلات الذابلة المتألمة تحتضرذارفة دموعاً تذيب الفؤاد!فيما البتلات اليافعة النقية تزهرأصغ إلى ألحانها الفرحة!يا له من سحر ذي طبيعة مقدسةيدلف إلى داخله العالم المشرق!أصوات العالم «سحرية»أغلق عينيك، متذوقاً المقدس!نشيج من هذاالذي يتردد صداه في الليل الهادئ؟غادياً راحلاً... إلى البعيدذاك همس الليل!أصغ، قلب من يبكي؟أصغ، ما هذه الضجة الزاعقةأصغ، ما هذا الضحكمن أين تأتي جميعها؟اقترب الآن، وأصغ ثانيةأصغ إلى الكم الهائل من الأصوات الجديدةفي الليل فيما العالم يتجاوزناقلبي يصدر ضجيجاًغالباً ما أصغي الى الناس المتحلقينغالباً ما احاول اعطاء أجوبةغالباً ما استمتع بالسماع للآخرينلكن دون الاصغاء ابداً إلى أصواتي الداخلية![نور الشمعةيشع النور بغاية الرقةيتحرك بغاية الرقةاغلق عينيك بانخطافسريعاً سريعاً يختفي النورالآن افتح عينيكالنور لم يزل يشع برقةمبتسماً، اغلق عينيكالنور يختفي بهدوء!لمن هذه الشمعة؟التي تربط خيطان الأحلامالمتحركة بغاية الرقة!الآن يظهر، بعدها يختفيالآن الفؤاد، ثم الشمعةظهور فاختفاءمجيء وذهابمن ثم وهج ونور!تشع برقة، تشع بهدوءاواه يا قلب الأوهام!ثمة ما يختفي بانخطافثمة ما يتوهج بانخطاف!لمن هذه الشمعةالرابطة خيط الفؤادوالمتحركة بغاية الرقةوهج نورمما يتيح فتح العين.[ديوان «تحت المطر والرعد»ديوان «تحت المطر والرعد» لتشامنونغسري راتينين هو بمثابة دفتر يوميات كتب شعراً حين كانت الشاعرة معتكفة في دير «سوان موك» ولهذا يغلب على الديوان تناغم بارز من تأملات بوذية. يشير الديوان الى أحجية بوذية تقول إن حالة ذهن الشخص المتنور لا تتسبب باضطرابها حالة ادراك او حتى حبور او معاناة. وإذا كانت الأحجية تقول من جهتها «لا شيء يحمي من الرعد والمطر» وتفيد حيثيات الديوان بمحاولة الشاعرة الى بلوغ الماوراء بهدف الوصول الى حالة الصفاء التي لا يطالها لا مطر ولا رعد الحياة.[أوهام الفراشةاقبض على احد التخيلات المثيرة لمشاعركتماماً مثلما تمسك بفراشةامسكها جيداً بقبضتكحالما تفتح قبضتك لترى الوانهالا تقع على شيءقرابة دقيقة والفراشةتعاود التراقص في الهواء!راقب مشاعرك تتحرك في الفؤاد الحب، الغضب، الأسى، الفرححدق فيها بشدة، فتختفيهي تبقى مستقرة، ساكنة طالما جرت مراقبتهادقيقة واحدة بلا رقابةيتأثر الذهن بالفكرة المتخيلةوانت تدرك ان الأفكار هي اوهامتأتي، تروح متغيرة بلا انقطاع!الوان شتى، ايقاعات والحان مختلفةلا يمكن تثبيت الأجنحة!من ذا الذي يخبرناكيف نعلم أولادناألا تغويهم الفراشاتفيما المئات بل الآلاف منها تطير من قلوبهمكيف نمسك بالفراشةالراقصة في ربوع افئدتهمنلتقطها مرة بعد مرةلكنس الجهللتنقية الذهنلئلا يتأثر بسرعةبأجنحة المئاتوالآلاف من الفراشات!فحوى القصيدة تبدو استعادة «الفراشة» كفكرة أو توهم نخلقه في ذهننا مثابة مجاز موفق، فالفراشة مخلوق سريع العطب، فعود قصير العمر مثلما تطهر افكارنا وعواطفنا نفس الصفات. رسالة الشاعرة لنا، أولاداً وكباراً ان نمارس الحيطة واليقظة ان نمسك بالفراشات المتراقصة في ذهننا بهدف كنس الجهل وتنقية العقل. وهذا الكنس وتلك التنقية يتطلبان فهمنا لكل عواطفنا، الايجابية منها والسلبية.[بحيرة صغيرةمع نور الصباحتبدو البحيرة مشعةهادئةصافيةلا هي ليست كذلكهذا انطباع مخادعلو كانت صافية وهادئةلكنا شاهدنا القعر!الآن لا نرى سوى سطح الماءظلال الاشكال والألوانالمنعكسة في كل الأشياءتبدو بغاية الصفاء والواقعيةلا ليست كذلكانها ليست حقيقية!امعن النظر، الألوان في تلك الاشجار الباسقةظلالها مختلفة مع وجود الطحالبانظر وتمعن،لون السماءخيالات مائية، الأزرق أشد زرقةسحاب الماء ينتشر بطراوة الحريراذا امعنت النظريتبين لك الفرق انها تتراقص على رقرقات الماء!تبدو البركة مشعةبعد مطر البارحة الغزير،وكذلك يشع الفؤاد.الذهن كما الماء الصافيةالتي تظهر كل الانعكاساتالانعكاسات الخادعةالمغوية مرة بعد مرة للفؤاد!اليوم لم يزل ترقرق الماء مغوياًسحر الحركاتالتي لا تعرف السكونتماماً مثل كل شيء في الحياةيسحب الفؤاد هنا وهناكمما ينسيه النظر عميقاً!كن هادئاً اسير بنظرك الأعماقاقل ما يكون ستدركانه بمقدار عمق الماء،بمقدار ما يكون سكونهاوصفاؤهاوتكون رائقة بما لا يقاس.