05-05-2013

12-05-2013

19-05-2013

02-06-2013

09-06-2013

16-06-2013

16-06-2013م

الانتعاش الديني الراهن هو نتيجة العولمة وتنازع الثقافات

♦  ♦  ♦  ♦  ♦

هيثم الأمين في قصائد فرنسية:من المفيد أن يُدخلنا المترجم في ما فعل

الانتعاش الديني الراهن هو نتيجة العولمة وتنازع الثقافات

المستقبل - الأحد 18 آذار 2012 - العدد 4288 - نوافذ - صفحة 14

وفيق غريزي

يتناول هذا الكتاب ظاهرة اقبال الكثيرين على التحول من ديانتهم الاصلية، واعتناق ديانة جديدة. ويلاحظ ان البروتستانية، بمذاهبها المتعددة، باتت الأكثر انتشاراً في العالم، فيما تعاني الكاثوليكية من فقدان الحماسة للانخراط في سلكها الكهنوتي. يشرح المؤلف اوليفييه روا لماذ أصبح الكهنة الافارقة أشد المحافظين ضمن الكنيسة الأنغليكانية. كما يفسر تحول العديد من المسلمين الى المسيحية، واجتذاب الحركات الاسلامية السلفية شباناً أوروبيين، والنمو الذي تشهده البوذية في أوروبا، والبروتستانتية في كوريا الجنوبية. ويرى المؤلف ان نظرية صراع الحضارات لا تسمح بفهم هذه الظواهر. لأن ظاهرة الانتعاش الديني ليست تعبيراً عن هويات ثقافية تقليدية وإنما هي نتيجة للعولمة ولأزمة الثقافات. الجهل المقدس هو الاعتقاد بالديني المحض الذي ينبني خارج الثقافات. هذا الجهل يحرك الأصوليات الحديثة المنافسة في سوق للأديان يفاقم اختلافاتها ويوحد أنماط ممارساتها.
إذن، كيف تدرك حقيقة مطلقة؟ هل يمكن رد الدين الى الثقافة أو الى العقل، أم إنه يؤكد تعاليه غير القابل للاختزال؟ يرى البعض ان المراد وضع نظرية لاهوتية عقلانية، مقبولة من الجميع، وماثلة في جميع الأديان الكبرى في العالم؛ ويرد الأديان والثقافات الى العقل الكوني، وكان هذا في نظر المعارضين يعني انكار مركزية صورة المسيح التي تشكل جوهر المسيحية بالذات. والحال ان صورة المسيح ليست قضية عقلية يتعين اثباتها بالبرهان، انها حدث، انبثاق، حضور، وهنا يتغلب الايمان على العقل. كانت تلك حجة باسكال الذي فضل اله ابراهيم على اله الفلاسفة، كما كانت حجة فتى لاروشيل الانجيلي. ان المسيحية مثل كل دين، غير قابلة للذوبان في الفلسفة وهي تتموضع في ما وراء الثقافات التي قد يرغب المؤرخ كما عالم الاناسة في رد المسيحية إليها.
الحداثة والعلمنة وعودة الديني
في الربع الأخير من القرن العشرين تواجهت فرضيتان: إحداهما ترى في العلمنة سيرورة محتمة، هي شرط الحداثة ونتيجة لها في آن واحد، والأخرى تسجل او تحيي عودة الديني، مدركة اما على أنها احتجاج على حداثة مستلبة او وهمية، وإما كشكل مختلف للدخول في الحداثة. وهذا الجدل ليس فكريا صرفاً: فهو في فرنسا في صلب النزاع حول الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الديني.
فالعلمنة من وجهة نظر المؤلف لم تزل الديني. وهي اذ تفصل الديني عن البيئة الثقافية فانها تظهره على العكس كديني محض. وقد عملت العلمنة عملها في الواقع. فما نشهده انما هو اعادة صياغة مناضلة للديني في فضاء «معلمن» اعطى الديني استقلاله الذاتي وتاليا شروط توسعه؟ لقد أرغمت العلمنة والعولمة الأديان على الانفصال عن الثقافة، وعلى ان تعتبر نفسها مستقلة وتعيد بناء ذاتها في فضاء لم يعد اقليمياً وبالنتيجة لم يعد خاضعاً للسياسي. «وينجم فشل الديني السياسي (اسلاموي، حكومة دينية) من انه اراد منافسة العلمنة في ميدانها الخاص: القضاء السياسي (أمة، دولة، مواطن، دستور، نظام قانوني)» يؤول مثل هذا التسيس الديني الى علمنته في كل مرة لأنه لا يتورط في السياسة اليومية، ولأنه يفترض ان في كل انسان تبعية وحرية في وقت واحد، ان الديني السياسي محصور بكل بساطة في امرين ملزمين: ان عدم الايمان فضيحة، لكن الايمان لا يكون الا فردياً. ولا يعمل هذا الديني السياسي الا على المبدأ القائل بأن الجميع يجب ان يكونوا مؤمنين، لكنه لا يستطيع ان يضمن هذا الايمان، وعليه اذا ان يفرض التقيد بالمظهر، وهو ما يمنعه تالياً من تقديم نفسه على انه تعبير عن ايمان تتقاسمه جماعة بأسرها.
ثمة رابطة وثيقة بين العلمنة والانعاش الديني: فالأخير يقول المؤلف: «ليس رد فعل ضد العلمنة بل هو ثمرتها، والعلمنة تصنع الديني. وما من عودة للديني، بل تحول، ولا ريب في أن هذا التحول ليس سوى برهة. لا تطل بالضرورة على عصر ديني جديد».
فقدان الهوية الثقافية
لا ريب في ان هذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها الأديان تعاليمها و»تحول اليها من ليس من اتباعها خارج نطاقها الثقافي، لكن تبديل الأديان يترافق مع سياق فقدان الهوية الثقافية ـ تثاقف، حيث تعاود المعالم الدينية والثقافية اتصالها كيفما اتفق، وغالبا ما يحدث ذلك في اطار فتوحات أو أشكال هيمنة سياسية شتى. ويرى المؤلف ان اقلمة الأديان تستتبع اندراجها الثقافي، «وكان للمسيحية وللاسلام تاثير لا ينكر على صعيد التغريب للأولى والتعريب للثاني، حتى وان برزت شيئاً فشيئاً تواليف جديدة بين دين وثقافة، سوغت تقسيم العالم الى مناطق ثقافية. ثم الى اقلمة الديني، مؤيدة من قبل السياسي، هي في أس نظرية صدام ـ حوار الحضارات».
يشير المؤلف الى ظاهرتين تلعبان دوراً رئيسياً في طفرة الديني اليوم هما: زوال صفة الاقليمية وفقدان الهوية الثقافية. ولا يرتبط زوال الصفة الاقليمية بانتقال الاشخاص فحسب، الذي لا يعني سوى نسبة ضئيلة في المئة من سكان العالم، بقدر ما يرتبط بانتقال الأفكار، والمواد الثقافية، والاعلام وأنماط الاستهلاك بعامة في قضاء غير اقليمي.
ولكن المادة الثقافية تحتاج لكي تنتقل الى ان تبدو عالمية، غير مرتبطة بثقافة معينة ينبغي فهمها قبل ادراك رسالتها. والحال ان الديني ينتقل خارج المعرفة، فالخلاص لا يتطلب معرفة بل ايمانا، والاثنان بعيدان طبعا عن ان يكونا متعارضين في أديان منزلة في الثقافة تنزيل الجوهرة من الخاتم ومطورة تكفيراً لاهوتياً منتعشاً بالتماس مع الفلسفة والأدب، ان انفصال المعالم الدينية عن المعالم الثقافية ليس نتيجة لازالة المعالم الاقليمية، فهو يتساوق معها، ولكنه يصبح في بيئته، اذ يخضع لسياقات جدلية متغيرة، داخلية وخارجية على السواء. وتستدرج العلمنة الديني لكي ينأى عن ثقافة مدركة منذ الآن على أنها لا مبالية، بل عدائية.
وتترتب على فقدان الهوية الثقافية نتائج أساسية: فهي أولاً تحول المسافة بين المؤمن وغير المؤمن الى حاجز، فلا يعودان يتقاسمان لا تناسق الحركة ولا قيماً مشتركة. والشيء الذي يختفي هو كامل المسافة الوسيطة بين المؤمنين غير الممارسين للشعائر، والممارسين بالاسم، وغير المؤمنين ثقافياً. «فالمؤمنون يرون ان فاتري الايمان، الخالدين، أولئك الذين لم يتموا تحولهم الثاني الى الديانة (الولادة الجديدة) هم في الواقع جزء من العالم الدنيوي، بل العالم الوثني، وعكسياً، يبدو المؤمن في نظر غير المؤمن سيئ المعشر لا بل متزمتاً»، ان فقدان الهوية الثقافية هو فقدان البداهة الاجتماعية للدين. ومن الآن فصاعداً يعيش المؤمنون في ما بينهم كاقليات محاطين بثقافة دنيوية، ملحدة، اباحية، مادية، اختارت الهة مزيفة: المال، والجنس، او الانسان نفسه. هذا وان كان المؤمنون هم الأكثرية. يؤكد المؤلف انه ما من لاهوت دون ايمان. ولا ريب في ان الجدل الدائر بين الايمان والمعرفة ملازم لجميع الأديان المنزلة. ولطالما أكدت التيارات المعتدلة عدم التناقض بين الاثنين فالايمان والمعرفة يقوي احدهما الآخر، ولكن كان من اثر ظواهر فقدان الهوية الثقافية كسر تلك العلاقة الجدلية، ينبغي للنصوص المقدسة ان تكون قادرة على النطق خارج اي سياق ثقافي.
اندراج الديني في الثقافة
ان العلاقات بين الدين والثقافة ليست بجديدة، مثلما ان العولمة ليست مستجدة. ولقد عرف التاريخ من قبل حقبا وجدت فيها ثقافات ومجتمعات معينة نفسها وقد تجاوزتها بغتة انظمة اتصال، وسوق، وهيمنة سياسية دفعتها في سيرورة فقدان للهوية الثقافية تذهب الى ما هو أبعد من مجرد امتصاص من قبل الثقافة المهيمنة، المعادة صياغتها هي ايضا من قبل عالميتها الخاصة. ويوضح مثال الامبراطورية الرومانية ومختلف الحقب الاستعمارية هذه العولمات السالفة. وقد انتشرت أديان عالمية كالمسيحية والاسلام بفضل هذه التقلبات بل كانت أحد عواملها.
غير ان «التطور المعاصر للعولمة يتجاوز ذلك: فهو ينظم ويدفع الى اقصى مدى جميع مكونات الظاهرة، ولا سيما منها ازالة الصفة الاقليمية. ويدخل بعداً مستجداً. هو التفريق المستمر بين الأديان، والأقاليم، والمجتمعات، والدول، ما يستتبع قدراً أكبر من الاستقلالية للديني». والحال ان الأديان كافة ليست متساوية في هذا المظهر الجديد، ان الانجيلية تنتشر في العالم أجمع. ولكن هناك تفسيرين متعارضين: الأول يفسر أهمية الأديان من خلال علاقتها بالثقافات، الغالبة والمغلوبة. عندئذ يقرن توسع البروتستانتية بالهيمنة الاميركية وتجذر الاسلام باعتراض ثقافة مغلوبة، هي ثقافة الجنوب.
والتفسير الثاني يعطي بالضد امتيازاً لمقدرة دين على الظهور كدين عالمي لأنه حيادي ثقافياً، متحرر من الفعل الثقافي، او متلائم مع اية ثقافة مهما تكن. هنا يطرح سؤال رئيسي: هل يحصل توسع ديني ما بفضل توسع دين وثقافة؟ اذا كانت البروتستانتية الأميركية ترافع لمصالح الصياغة الأولى لهذا السؤال فان انتشار الاسلام والحركات الدينية الجديدة يرافع عن الثانية.
يرى المؤلف ان لكلمة ثقافة معنيين: الأول: منتجات أنظمة رمزية، وعروض خيالية، ومؤسسات خاصة بمجتمع، والثاني: المنتجات الرمزية المقدمة اجتماعياً كأصناف جمالية مستقلة ذاتياً ـ الفن.
في المعنى الأول، يعالج علماء الاناسة وعلماء الاجتماع الديني بوصفه نظاماً رمزياً بين أنظمة اخرى؛ وعلى ذلك فهومدرك بوصفه جزءاً متمماً من ثقافة محددة. انه من الثقافة. ومن جهة أخرى فان كثيراً من الأديان لا تدعي انها شيء آخر، او بالأحرى انها مبنية كدين من الخارج فقط، مع كل ما يمكن ان ينطوي عليه ذلك من مفارقة تاريخية ونزعة عرقية. «على ان هذا يصطدم بالاستثناء الديني. الدين الذي يرفض ان يكون نظام معتقدات بسيطا بين أنظمة أخرى، لأنه يؤكد انه الحقيقة أو يقول الحقيقة. هذه الأديان تعتبر نفسها حاملة لرسالة عالمية، متعالية على الثقافات. الايمان عندها ليس اعتقاداً بسيطاً او امتثالية اجتماعية. وهي تؤكد علاقة بالحقيقة تدخل في فئة الثقافة، لأن الايمان يطرح حقيقة أبعد من العلاقة الثقافية». في الواقع لا يطرح الدين بصفته ديناً إلا عندما ينفصل انفصالاً بينا عن الثقافة، وإن كان ذلك في توتر مؤقت، وهش، ومجرد اجمالاً، ونتيجة لذلك لا يسري مفهوم الدين في أنظمة يدرك فيها ما يقرن بالدين في مكان آخر ـ تقوى مقدس على انه ثقافي كليا ـ دين مدني؛ ان مشكلة الكفر مسألة حديثة لأنها تفترض ذلك الانفصال. ولم يكن كفر سقراط نقصاً في ايمانه، بل هو ما كان مدركاً على انه لا وطنية، وتخريب»، والحال ان أي دين لا يمكنه ان يلبي شروط العولمة وأن يصبح عالمياً، الا اذا قدم نفسه، وان على نحو مجرد، على أنه غير ثقافي. وعلى ما سوف نرى، ما من حتمية لاهوتية في ذاتها تجعل هذا الدين أو ذاك يفوت الفرصة المناسبة للعولمة. إن الثقافة متماسكة ومتّسقة، ولكنها حاملة لقيم مثلاً (حرية الإنسان المطلقة، وتقديس الطبيعة أو فئة اجتماعية) لا تتعارض مع القيم الدينية فحسب، بل تأخذ مكانها أيضاً. هذا زمن الآلهة المزيفة (الإنسان، الثورة، العرق والدولة). هذا المظهر وفق رأي المؤلف قلما يتعلق بالنظرية اللاهوتية الخاصة بهذا الدين أو ذاك. ولا شك في أننا نجد أقوى تعبير عنه في المسيحية، مصحوباً من جهة أخرى بقيم وتقسيمات مختلفة بحسب المفكرين. ولكنه يوجد أيضاً في الإسلام، بخلاف ما يظنه الكثيرون، فالدنيوي فيه يُعقل في المنطقة الرمادية بين الحلال والحرام. والمكروه، والمباح على وجه الخصوص، ثلاثة أصناف تفلت، من دون أن تمتلك وضعية حقيقية، من المعيار الديني. والدنيوي في الإسلام هو نسق الاستقلال للسياسي والقانوني العرفي، وإن كان لدى فقهاء القانون ميل الى إنكار أو تقييد الاستقلال الذي يُفرض عليهم مع ذلك؛ وهذا أيضاً يتعلق بالتعزير، أي العقوبات التي يمكن أن يوقعها الأمير من تلقاء نفسه باسم الخير العام.
ولقد نشأ في العالم العربي الإسلامي تاريخياً فضاء ثقافي مستقل ذاتياً، لكنه كان بانتظام عُرضة لسهام أصولية متلفة للآثار الفنية، ومعادية للثقافة مثالاً على ذلك طالبان، أو حركات لاتوفيقية ترتاب، بحق وفقاً لوجهة نظرها، في فكرة الثقافة نفسها، والخوف من التوفيقية ليس بجديد في الإسلام، وهو أقل ارتباطاً بمطلب الوحدانية والتعالي الإلهي المطلق منه بعلاقة الدين والثقافة.
من الحضارة الى التعددية الثقافية
إن الإرساليات مشروع تثاقف حقاً، «فحتى النصف الأول من القرن العشرين كان المرسلون يؤمنون على نطاق واسع برسالتهم المحضّرة. وكان يمكنهم القبول بفكرة وجود ثقافات مختلفة، ولكن لا توجد في نظرهم سوى حضارة واحدة، هي حضارتهم. والحضارة هي الثقافة الغربية بما هي نتاج المسيحية، وهي بهذه الصفة متفوقة على الثقافات الأخرى. وهم يعتقدون بوجود تقدم أخلاقي، معنوي واجتماعي، وإن كان عدد منهم يتوافقون على حقيقة وجود عناصر إيجابية في الثقافات البلدية». كانت وجهات النظر مختلفة طبعاً، خصوصاً حول مسألة معرفة ما إذا كانت الثقافة الغربية متفوقة في ذاتها، وإن في شكلها الدنيوي، أو أنها متفوقة فحسب لكونها عامرة ومُلهمة بالدين على الدوام. غير أن فكرة وجود دين محض أعلى من كل ثقافة، لأن كل ثقافة تحمل علامة سقوط الإنسان المخلوق، وهي فكرة مهمة وماثلة جداً في الكالفينية.
ويعتقد المؤلف أن التثاقف المندفع بتشجيع من الكنيسة الكاثوليكية أقل تعلقاً بتعريف إيجابي للحضارة الغربية منه بإرادة الدفاع عن نموذج كنيسة عالمية، متجانسة وممركزة. وكان الدفاع عن المؤسسة الكهنوتية هو ما أفضى الى عدم الاعتراف إلا بنموذج ثقافي وحاد، في برهة من الزمن نأت فيها الكنيسة عن ثقافة غربية آخذة في التعولم صعداً. «فالثقافة الغربية لا قيمة لها في ذاتها، إلا بمعنى أنها كانت، وتبقى، مُلهمة بالمسيحية. ولم تكن الثقافة الغربية هي ما تدافع عنه الكنيسة آنذاك، وإنما هي الثقافة الغربية المسيحية. ثم إن المسيحية تصدر عن تقدم تحضيري، لكن لا يمكنها أن ترى في ذلك، بالنسبة الى الكاثوليك، حضارة علمانية وزمنية». إن الثقافة الغربية، الأنكلوسكسونية بنوع خاص، تتبع، في نظرهم، الحضارة بوجه عام لأنها ولدت من المسيحية، وإن لم تعد مُلهمة بالضرورة من الإيمان. أما الكاثوليك فالثقافة عندهم لا معنى لها إلا إذا كانت مبلّغة صراحة من الإنجيل، والكنيسة هي التي ترفع هذا النموذج التحضيري الى درجة الكمال، وليس الثقافات القومية المتلفة. ويرى المؤلف أنه بعد عام 1945، ظهر وسط الجمهور وبين رجال السياسة مفهوم جديد، هو مفهوم تساوي الثقافات ونسبويتها، تساويها في المكانة وفي التعقيد أيضاً، مما أدى تلقائياً الى تعليق مفهوم الحضارة المدركة بوصفها الإنجاز المادي والمعنوي لثقافة معينة. واختفت الأحكام التقويمية. كان ذلك نهاية كل تطورية وكل فلسفة للتاريخ في ما يتعلق بالثقافات. وفي فرنسا، كان كلود ليفي شتراوس طبعاً هو من أسهم أكثر من سواه في تعميم هذه الفكرة، حصيلة ما انتهت إليه التيارات الكبرى لعلم الإناسة في القرن العشرين. لكن المهم بوجه خاص الإشارة الى أن هذا الموضوع المتعلق بالاستقلال الذاتي للثقافات ومكانتها كان قد تدوّل سياسياً، لكن بعد فصله عن أصوله العلمية، ولذلك أسباب عدة. يتعيّن أولاً النضال ضد العنصرية التي أنتجت النازية، ثم تدبّر الخروج من الاستعمار عبر التصدي لما كان يقيناً المسوّغ الأيديولوجي الأكبر لهذا الأخير، ألا وهو نشر الحضارة.
دين، عرق، أمّة
تبدو الصلة بين ثقافة ودين واضحة في عدد من المجتمعات والجماعات العرقية. ولا يُطرح الانتماء الديني كخيار شخصي، بل كهوية جماعية، مستقلة عن الاعتقاد الفردي، ويتطابق المعلم الثقافي والمعلم الديني، حتى إذا ما تعولمت المجتمعات فإنها تحمل على الدوام الأثر الثقافي للدين المؤسس. وهذه الرؤية هي في أساس صدام الحضارات الشهير وحوارها أيضاً.
غير أن طبيعة الصلة بين المعلمين حسب قول المؤلف «أشد تعقيداً في اتحاد بسيط؛ فهي تتقلب في الزمان والمكان، والذهاب المحصلة قلّما تقاوم التاريخ أو التنقلات الجغرافية. وفي بعض الحالات لا يعدو المعلم الديني أن يكون معلماً للهوية بين معالم أخرى، مثل اللغة والأدب. يمكنه أيضاً أن يصبح معلماً ثقافياً مُفرغاً من أي معنى ديني». إن الهوية العرقية الثقافية في هذه الحالة أرسخ من الهوية الدينية. بيد أن المعلم الديني يمكنه أيضاً أن يصبح المعلم الغالب للهوية، من دون أن يقترن دائماً بممارسة أصيلة، وإن كان يفضّلها. فالكاثوليكية سمة جوهرية للهوية الإيرلندية الحديثة، ولا سيما أن المعلم العرقي اللغوي قد إمّحى. ولكن ما إن يحصل الاتحاد بين معلم ديني وهوية قومية حتى يمكن للبعد الديني أن يضمحل وللمعلم الديني أن يتحول بدوره الى معلم ثقافي، بل قومي».
إن استخدام معلم ديني كمعلم عرقي أمر معروف جيداً لدى علماء الإناسة من ذلك مثلاً أن الهمشين في تركيا أرمن لغوياً ومسلمون دينياً؛ والحال أنهم منفصلون عن الهوية الأرمنية بسمة جوهرية ألا وهي المسيحية وإن أمكن عكس القضية والقول إن الأرمن هم أولاً أولئك الذين يتكلمون اللغة الأرمنية وهم مسيحيون استطراداً. وقد أفضى هذا المعلم الديني بالهمشين الى اعتبارهم جماعة عرقية مستقلة. إن اجتماع المعلم الديني والمعلم الثقافي هو اجتماع موقت إذاً، لأنه مرتبط ببرهة تاريخية معينة. وهو يتحرك في الاتجاهين، عبر تقوية المعلم الديني أو على العكس عبر تعزيز المعلم العرقي. وهكذا يمتلك تأثير الواقع، لأن بوسعه أن يسهم في تكثيف الممارسة الدينية، وأن يجعل من رجال الدين الناطقين الطبيعيين باسم الجماعة، كما يُشاهد في الباكستان اليوم، وهذا ما ينمّي عندئذ نزعة نضالية دينية حصراً ودولية. ولكن تأثير الواقع يمكن أن ينتج عنه اصطناع شبه عرقي على المعلم الديني وحده مثل الأقلية المسلمة في أوروبا، أو البوسنيين، لا بل اصطناع أمة البوسنة والهرسك، عبر اجتماع المعلمين. هذا هو اجتماع ضعيف بنيوياً على أي حال، لأنه ينفجر عندما يتضح الديني كديني محض، إما في شكل صحوة إيمان أو أصولية، كرد فعل على العلمنة، وإما بفعل الهجرة والتحولات عن دين الى آخر. والعولمة عامل مهم في فك الاقتران بين المعلمين.
سياسة اللغات والدين
اللغة معلم هويتيّ أساسي. ومن حيث كونها ناقلة لثقافة دنيوية فإن وضعها اللغوي مرتبط هو أيضاً بالوضع السياسي أو الاجتماعي لجماعة المتكلمين بها، وتتغير عن طريقه: فلغة دولة ستكون موضوع تعقيد واضح لن تعرفه لغة أو لهجة إقليم. «وما يحدد مصطلحات لغة، ولغية، ولهجة عامية، هو وضع الجماعة، وليس طبيعة النطق بها. والانتقال من لهجة الى لغة محكية، فلغة مكتوبة وأخيراً لغة ثقافة أو لغة سائدة أو لغة مقدسة. يحدو على نحو مختلف اختلافاً جذرياً وضع المتكلمين. والتعددية اللغوية تقيم على الدوام تقريباً تراتبية بين اللغات المحكية. في الخمسينات من القرن العشرين كان البلجيكي الفلمندي أو الباشتوني الأفغاني في مزدوج اللغة، لكن مواطنيهما الناطقين بالفرنسية أو الفارسية لم يكونا كذلك. إن تثبت لغة بالكتابة عنصر رئيسي في الوضع القانوني لتلك اللغة، فمن دون تلك العملية لا يوجد ميل الى حمل ثقافة مكتوبة ولا بوجه عام أن تصبح لغة مؤسسات سياسية. للغة إذاً وضع يمكن أن يتطور: لغة مقدسة غير محكية، ولغة ثقافة مهيمنة، ولغة ثقافة ودولة، ولغة متنوعة المستويات والكتابة، الى ذلك، قد تكون سهلة المنال الى هذه الدرجة أو تلك. تارة تكون احتكاراً لأهل الحرفة من المتعلمين، وطوراً يكون استخدامها ديموقراطياً الألفباء الصوتية. يؤكد المؤلف أن الأديان لعبت دوراً أساسياً في كل هذه السيرورات، لكنه دور ملتبس، لأنها موزعة بين تقديس لغة مفضّلة، وضرورة استخدام لغة محلية للتأثير على الجماهير، وهي تميل الى نقل الرسالة من اللغات المحلية، بتثبيتها عند الاقتضاء في الكتابة، كما تنزع في الوقت نفسه الى الاحتفاظ بسيطرتها المدوّنة بفضل احتجازها في لغة مقدّسة تبقى احتكاراً للكهنة».
الجهل المقدس
إن الرفض إذ يبلغ أقصى مداه يتحول الى ارتياب بالمعرفة الدينية نفسها، مع الفكرة القائلة، أولاً: بأن المرء لا يحتاج الى معرفة لكي يفوز بالخلاص. وثانياً أن المعرفة يمكنها أن تحرّف الإيمان الحق، وكلام الله بوسعه أن يمر مباشرة من دون توسط المعرفة، تلك على وجه الدقة مهمة الروح القدس لدى البروتستانت. وليس التبحر ما يسمح بالعثور على الحقيقة في طيات النص الكتابي، «ذلك أن النص هو كلام الله الحي الذي يقول الحق. وعلى المرء أن يكون مسكوناً بكلام الله. إن هذه الرؤية إذ تبلغ منتهاها إنما تتلخص في العبارة المشهورة «التكلم بلغات عدة». ويشرع مؤمنون حل عليهم الروح القدس، في التفوّه بأصوات يفهمها كل مستمع بلغته». وليس المقصود عندهم أن يتكلموا على نحو مفاجئ باللغة الصينية أو لغة التالوغ لغة أهل الفيليبين، أو اللغة العبرية، ولكن أن يكونوا مفهومين مباشرة عبر ركيزة مُصوّنة لا تنتمي الى الألسنية. ما من معرفة لاهوتية هنا، ولا معرفة لغوية، ولا معرفة ثقافية، بل حضور لا توسّط فيه للمعارف. تلك هي «الحالة النموذجية المثلى لإلغاء الحرف خدمة لكلام يدخل مباشرة، من دون توسط من اللغة». إن إلغاء اللغة لصالح الكلام هو بلا ريب أكمل مثال على الجهل المقدس.

[ «الجهل المقدس»
[ أوليفييه روا
[ ترجمة: صالح الأشمر
[ دار الساقي بيروت 2012.

 

ÇÑÓá åÐÇ المقال الì صÏيق ÇØÈÚ åÐÇ المقال

 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005